لقد قال ربعي بن عامر رسول جيش المسلمين إلى رستم قائد الفرس، وهو يسأله ما الذي جاء بكم؟ كلمات قلائل تصور طبيعة هذه العقيدة، وطبيعة الحركة الإسلامية التي انبثقت منها، كما تصور طبيعة تصور أهلها لها، وإدراكهم لحقيقة دورهم بها ... قال له: (الله ابتعثنا، لنخرج من شاء، من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام) .
وفي هذه الكلمات القلائل تتركز قاعدة هذه العقيدة، وتتجلى طبيعة الحركة الإسلامية التي انبثقت منها، وانطلقت بها ...
إنها إخراج من شاء الله من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده ... ورد أمرهم إلى الله - وحده - في المحيا والممات، في الدنيا والآخرة، وإفراد الله سبحانه بالألوهية وبخصائص الألوهية - والسلطان والحاكمية والتشريع، هي أولى هذه الخصائص التي لا نازع الله فيها مؤمن، ولا يجرؤ على منازعته إياها إلا كافر - ولا توجد حرية للإنسان، بل لا يوجد"الإنسان"ذاته، إلا بخلوصها لله.
وأصحاب عقيدة التوحيد - حين يفيئون اليوم إليها، وحين يرفعون رايتها وحدها - يملكون أن يقولوا للبشرية كلها ما قاله ربعي بن عامر، فالبشرة - من هذه الناحية - اليوم كما كانت يوم قال ربعي بن عامر كلمته ... إنها كلها غارقة في عبادة العباد، والتوحيد - بمعناه الشامل - هو الذي يخرج من شاء الله من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، وبذلك وحده"يتحرر الإنسان"بل"يولد الإنسان".
وأصحاب عقيدة التوحيد - حين يفيئون إلى منهج الله الذي من به عليهم وينادون به - يملكون أن يتقدموا للبشرية بالشيء الذي تفقده جميع المناهج والمذاهب والأنظمة والأوضاع في الأرض كلها لا استثناء، ومن ثم يكون لهم اليوم وغدًا دور جديد، ودور عالمي إنساني كبير، ودور قيادي أصيل في التيارات العالمية الإنسانية، ودور يمنحهم سببًا وجيهًا للوجود العالمي الإنساني - كالدور الذي منح العرب الأميين في الجزيرة العربية، سببًا وجيهًا للوجود العالمي الإنساني، وللقيادة العالمية الإنسانية.
إنهم لا يملكون أن يقدموا للبشرية اليوم أمجادًا علمية، ولا فتوحات حضارية، يبلغ من ضخامتها أن تتفوق تفوقًا ساحًا على كل ما لدى البشرية منها ... ولكنهم يملكون أن يقدموا لها شيئًا آخر، شيئًا أعظم من كل الأمجاد العلمية، والفتوحات الحضارية، إنهم يقدمون"تحرير الإنسان"بل"ميلاد الإنسان"...
وهم حين يقدمون للبشرية هذه الهدية يقدمون معها منهجًا كاملًا للحياة منهجًا يقوم على تكريم الإنسان، وعلى إطلاق يده وعقله وضميره وروحه من كل عبودية إطلاقه بكل طاقاته لينهض بالخلافة وهو حر كريم، يملك إذن أن يقدّم وأن يقوم الأمجاد العلمية، والفتوحات الحضارية، وهو في أوج حريتهن وفي أوج كرامتهن فلا يكون عبدًا للآلة، ولا عبدًا للبشر ... على السواء.
ألهمنا الله السداد.
والحمد لله رب العالمين
[65] يراجع فصل؛ تيه وركام، من هذا البحث.