الصفحة 13 من 114

ولقد كان الرسل عليهم الصلاة والسلام من لدن نوح إلى عيسى ... قد بينوا للناس هذه الحقيقة، وعرفوهم بإلههم تعريفًا صحيحًا، وأوضحوا لهم مركز"الإنسان"في الكون، وغاية وجوده ... ولكن الانجرافات الدائمة عن هذه الحقيقة، تحت ضغط الظروف السياسية والشهوات البشيرة، والضعف الإنساني، كانت قد غشت تلك الحقيقة، وأضلت البشرية عنها، وأهالت عليها ركامًا ثقيلًا يصعب رفعه بغير رسالة جديدة كاملة شاملة، ترفع هذا الركام، وتبدد هذا الظلام، وتنير هذا التيه، وتقر التصور الاعتقادي على أساس من الحق الخالص، وتقيم الحياة الإنسانية على أساس مستقر من ذلك التصور الصحيح، وما كان يمكن أن ينصرف أصحاب التصورات المنحرفة في الأرض كلها، وأن ينفكوا عمّا هم فيه، إلا بهذه الرسالة، وإلا بهذا الرسول ... وصدق الله العظيم: {لم يكن الذين كفروا - من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة، رسول من الله يتلو صحفًا مطهرة} [البينة: 1، 2] .

ولا يدرك الإنسان ضرورة هذه الرسالة، وضرورة هذا الانفكاك عن الضلالات التي كانت البشرية تائهة في ظلماتها، وضرورة الاستقرار على يقين واضح في أمر العقيدة ... حتى يطلع على ضخامة ذلك الركام، وحتى يرتاد ذلك التيه، من العقائد والتصورات، والفلسفات والأساطير، والأفكار والأوهام، والشعائر والتقاليد، والأوضاع والأحوال، التي جاء الإسلام فوجدها ترين على الضمير البشري في كل مكان، وحتى يدرك حقيقة البلبلة والتخليط والتعقيد، التي كانت تتخبط فيها بقايا العقائد السماوية، التي دخلها التحريف والتأويل، والإضافات البشرية إلى المصادر الإلهية، والتي التبست بالفلسفات والوثنيات والأساطير سواء!

ولما لم يكن قصدنا - في هذا البحث - هو عرض التصورات، إنما هو عرض التصور الإسلامي، وخصائصه ومقوماته ... فإننا نكتفي بعرض بعض النماذج من التصورات الدينية في اليهودية والمسيحية - كما وصلت إلى عرب الجزيرة - وبعض النماذج من التصورات الجاهلية العربية التي جاء الإسلام فواجهها هناك.

لقد حفلت ديانة بني إسرائيل - اليهودية - بالتصورات الوثنية، وباللوثة القومية على السواء، فبنو إسرائيل - وهو يعقوب بن اسحاق بن إبراهيم عليهم السلام - جاءتهم رسلهم - وفي أولهم أبوهم إسرائيل - بالتوحيد الخالص، الذي علمهم إياه أبوهم إبراهيم، ثم جاءهم نبيهم الأكبر موسى عليه السلام بدعوة التوحيد أيضًا مع الشريعة الموسوية المبنية على أساسه، ولكنهم انحرفوا على مدى الزمن، وهبطوا في تصوراتهم إلى الوثنيات، واثبتوا في كتبهم"المقدسة!"وفي صلب"العهد القديم"أساطير وتصورات عن الله سبحانه لا ترتفع عن أحط التصورات الوثنية للإغريق وغيرهم من الوثنيين، الذين لم يتلقوا رسالة سماوية، ولا كان لهم من عند الله كتاب ...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت