ولقد كانت عقيدة التوحيد التي أسسها جدهم إبراهيم عليه السلام عقيدة خالصة ناصعة شاملة متكاملة واجه بها الوثنية مواجهة حاسمة كما صورها القرآن الكريم، ووصى بها إبراهيم بنيه كما وصى بها يعقوب بنيه قبل أن يموت: {واتل عليهم نبأ إبراهيم، إذ قال لأبيه وقومه ما تعبدونه؟ قالوا نعبد أصنامًا فنظل لها عاكفين! قال: هل يسمعونكم إذا تدعون؟ أو ينفعونكم أو يضرون؟ قالوا: بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون! قال: أفرأيتم، ما كنتم تعبدون، أنتم وآباؤكم الأقدمون؟ فإنهم عدو لي إلا رب العالمين، الذي خلقني فهو يهدين، والذي هو يطعمني ويسقين، وإذا مرضت فهو يشفين، والذي يميتني ثم يحيين، والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين ... رب هب لي حكمًا وألحقني بالصالحين، واجعل لي لسان صدق في الآخرين، واجعلني من ورثة جنة النعيم، واغفر لأبي إنه كان من الضالين، ولا تخزني يوم يبعثون، يوم لا ينفع مال ولا بنون، إلا من أتى الله بقلب سليم} [الشعراء 69 - 89] .
{ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه؟ ولقد اصطفيناه في الدنيا، وإنه في الآخرة لمن الصالحين، إذ قال له ربه: أسلم، قال: أسلمت لرب العالمين ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين، فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون، أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت؟ إذ قال لبنيه: ما تعبدون من بعدي؟ قالوا: نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق، إلهًا واحدًا ونحن له مسلمون} [البقرة 130 - 133] .
ومن هذا التوحيد الخالص، وهذه العقيدة الناصعة، وهذا الاعتقاد في الآخرة انتكس الأحفاد، وظلوا في انتكاسهم حتى جاءهم موسى عليه السلام بعقيدة التوحيد والتنزيه من جديد ... والقرآن الكريم يذكر أصول هذه العقيدة التي جاء بها موسى عليه السلام لبني إسرائيل، ويذكر تراجعهم عنها: {وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل: لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحسانًا، وذي القربى واليتامى والمساكين، وقولوا للناس حسنًا، وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة، ثم توليتم إلا قليلًا منكم وأنتم معرضون، وإذا أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دمائكم، ولا تخرجون أنفسكم من دياركم ثم أقررتم وأنتم تشهدون، ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقًا منكم من ديارهم، تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان ... } [البقرة 83 - 85] .
{ولقد جاءكم موسى بالبينات ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون، وإذ أخذنا ميثاقكم، ورفعنا فوقكم الطور، خذوا ما آتيناكم بقوة واسمعوا، قالوا: سمعنا وعصينا، وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم، قل: بئسما يأمركم به إيمانكم إن كنتم مؤمنين} [البقرة: 92 - 93] .
ولقد بدا انحرافهم، وموسى عليه السلام بين أظهرهم ... من ذلك عبادتهم للعجل الذي صنعه لهم السامري، من الذهب الذي حملوه معهم من حلي نساء المصريين، وهو العجل الذي أشير إليه في الآيات السابقة ... وقبل ذلك كانوا قد مرّوا عقب خروجهم من مصر، على قوم يعبدون الأصنام، فطلبوا إلى موسى عليه السلام أن يقيم لهم صنمًا يعبدونه!
{وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم، قالوا: يا موسى اجعل لنا إلهًا كما لهم آلهة، قال: إنكم قوم تجهلون، إن هؤلاء متبّر ما هم فيه وباطلٌ ما كانوا يعملون} [الأعراف: 138 - 139] .