الصفحة 63 من 114

والكينونة الإنسانية حين تتجمع على هذا النحو، تصبح في خير حالاتها، لأنها تكون حينئذ في حالة"الوحدة"التي هي طابع الحقيقة في كل مجالاتها ... فالوحدة هي حقيقة الخالق سبحانه والوحدة هي حقيقة هذا الكون - على تنوع المظاهر والأشكال والأحوال - والوحدة هي حقيقة الحياة والأحياء - على تنوع الأجناس والأنواع - والوحدة هي حقيقة الإنسان على تنوع الأفراد والاستعدادات - والوحدة هي غاية الوجود الإنساني - وهي العبادة - على تنوع مجالات العبادة وهيئاتها - وهكذا حيثما بحث الإنسان عن الحقيقة في هذا الوجود ...

وحين تكون الكينونة الإنسانية في الوضع الذي يطابق"الحقيقة"في كل مجالاتها، تكون في أوج قوتها الذاتية، وفي أوج تناسقها - كذلك - مع"حقيقة"هذا الكون الذي تعيش فيه، وتتعامل معه، ومع"حقيقة"كل شيء في هذا الوجود، مما تؤثر فيه وتتأثر به ... وهذا التناسق هو الذي يتيح لها أن تنشئ أعظم الآثار، وأن تؤدي أعظم الأدوار.

وحينما بلغت هذه الحقيقة أوجها في المجموعة المختارة من المسلمين الأوائل، صنع الله بها في الأرض أدوارًا، عميقة الآثار في كيان الوجود الإنساني، وفي كتاب التاريخ الإنساني ...

وحين توجد هذه الحقيقة مرة أخرى - وهي لابد كائنة بإذن الله - سيصنع الله بها الكثير، مهما يكن في طريقها من العراقيل، ذلك أن وجود هذه الحقيقة في ذاته ينشئ قوة لا تقاوم: لأنها من صميم قوة هذا الكون، وفي اتجاه قوة المبدع لهذا الكون أيضًا ...

ومن مظاهر ذلك التجمع في الكينونة الإنسانية، أن يصبح النشاط الإنساني كله حركة واحدة، متجهة إلى تحقيق غاية الوجود الإنساني ... العبادة ... العبادة التي تتمثل فيها عبودية الإنسان لله وحده في كل ما ينهض به من شؤون الخلافة ...

وهذا التجمع النفسي والحركي هو ميزة الإسلام الكبرى، بما أنه يتناول بالتفسير كل الحقائق التي تواجه النفس البشرية في الكون كله، ويتناول بالتوجيه كل جوانب النشاط الإنساني، ففي الإسلام - وحده - يملك الإنسان أن يعيش لدنياه وهو يعيش لآخرته، وأن يعمل لله وهو يعمل لمعاشه، وأن يحقق كماله الإنساني الذي يطلبه الدين، في مزاولة نشاطه اليومي في خلافة الأرض، وفي تدبير أمر الرزق، ولا يتطلب منه هذا إلا أمرًا واحدًا: أن يخلص العبودية لله في الشعائر التعبدية وفي خالجة، وكل عمل وكل نية، وكل نشاط وكل اتجاه، مع التأكد من أنه لا يتجاوز دائرة الحلال الواسعة، التي تشمل كل طيبات الحياة ... فالله خلق الإنسان بكل طاقاته لتنشط كلها، وتعمل كلها، وتؤدي دورها ... ومن خلال عمل هذه الطاقات مجتمعة، يحقق الإنسان غاية وجوده، في راحة ويسر، وفي طمأنينة وسلام، وفي حرية كاملة منشئوها العبودية لله وحده.

وبهذه الخاصية صلح الإسلام أن يكون منهج حياة شاملًا متكاملًا، منهجًا يشمل الاعتقاد في الضمير، والتنظيم في الحياة - لا بدون تعارض بينهما - بل في ترابط وتداخل يعز فصله، لأنه حزمة واحدة في طبيعة هذا الدين، ولأن فصله هو تمزيق وإفساد لهذا الدين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت