وليس معنى ذلك أنه غير موجود، أو أنه عدم - لأن العدم دون الوجود وليس فوق الوجود - وإنما معناه أن حقيقة وجوده لا تقاس إلى الجواهر الموجودة، ولا تدخل معها في جنس واحد، ولا تعريف واحد، فهو"أحد" [60] بغير نظير في وجوده، ولا في صفاته، ولا في كل منسوب إليه.
ويغلو أفلوطين أحيانًا فيقول: إن الله لا يشعر بذاته، لأنه لا يميز ذاته من ذاته فيعرفها، ولكنه لصفات وجوده يتنزه عن ذلك التمييز، ويتنزه عن ذلك الشعور!" [61] ."
وهكذا نجد في هذه التصورات، وهي أعلى ما وصل إليه الفكر البشري في تصور كمال الله وتنزيهه؛ إلهًا من"صنع"الفكر البشري! إلهًا لا وجود له في عالم الحقيقة والواقع! لأن صفاته وخصائصه منتزعة من فروض عقلية مجردة، لا من النظر في واقع الوجود، وما يوحى به من صفات الخالق لهذا الوجود، ولا من الوحي الذي يصف الله سبحانه كما هو في الحقيقة!
ومن ثم تشتط هذه التصورات في"مثالية"لا رصيد لها من الواقع، لأنها لم تؤخذ من الواقع، إنما أخذت من التجريد العقلي، والفروض العقلية، وتنتهي هذه المثالية إلى نقص وعجز في تصور الكمال الإلهي - كما نرى من المقتبسات السابقة - في الوقت الذي تريد أن تبالغ في تقرير هذا الكمال.
وحين تقاس هذه المحاولات إلى التصور الإسلامي، يتبين معنى"الواقعية"التي تعنيها، فالحقيقة الإلهية في التصور الإسلامي، حقيقة فاعلة في هذا الوجود، وتلتمس خصائصها وصفاتها في آثارها الواقعية في هذا الوجود، وهذا ما يفصله القرآن الكريم وهو يصف الحقيقة الإلهية للناس، وهو يعرّفهم بربهم تعريفهًا يسيرًا عميقًا واضحًا، وهو يستشهد بواقع الكون وواقع الناس، في منطق فطري واقعي جميل.
بمثل هذه الواقعية يواجه التصور الإسلامي الكون ... فهو يتعامل مع هذا الكون الواقعي الممثل في أجرام وأبعاد، وأشكال وأوضاع، وحركات وآثار وقوى وطاقات، لا مع الكون الذي هو"فكرة"مجردة عن الشكل والقالب، أو الكون الذي هو"إرادة"ممثلة في شكل وقالب، ولا مع الكون الذي هو"هيولي"ومادة أولية غير مشكلة، أو الكون الذي هو"صورة"أو"مثال"في العقل المطلق! أو الكون الذي هو"الطبيعة"الخالقة! التي تطبع الحقائق في العقل البشري! ولا مع الكون الذي هو عدم أو شبيه بالعدم ... إلى آخر هذه الأسماء، التي ليس لها مدلول"واقعي"يتعامل معه"الإنسان".
الكون هو هذا الخلق ذو الوجود الخارجي الذي يدركه الإنسان، ويوجه إليه قلبه وعقله في القرآن، هو هذه السماوات والأرض، هذه النجوم والكواكب ... هذه الكائنات الميتة والحية، والظواهر الكونية هي هذه الحياة وهذا الموت، وهذا الليل وهذا النهار، وهذا النور وهذا الظلام، وهذا المطر والبرق والرعد ... وهذا الظل وهذا الحرور، وهذه الأحوال والأطوار ذات الوجود الحقيقي، وذات الآثار الحقيقية.
وحين يوجه الإسلام الإدراك الإنساني إلى هذا الكون ... كدليل على وجود خالقه ووحدانيته، وقدرته وإرادته، وهيمنته وتدبيره، وعلمه وتقديره ... فإنه يوجهه إلى هذا الكون ذي الكينونة الواقعية، والآثار الواقعية ... ولا يوجهه إلى كون هو"فكرة"مضمرة، أو"إرادة"منفّذة، ولا يوجهه إلى كون هو صورة في عقل الإله، أو"هيولي"تعارض تلك الصورة، أو تشوهها عندما تتلبس بها! ولا يوجهه إلى كون هو من صنع العقل، أو إلى كون هو صانع العقل ... إلى آخر هذه التصورات البحتة التي تتعامل مع نفسها، ولا تتعامل مع الواقع الكوني إطلاقًا!