الصفحة 95 من 114

وهذه الكائنات المتوسطة، بعضها أرباب، وبعضها أنصاف أرباب، وبعضها نفوس بشرية، وقد ارتضى أفلاطون وجود تلك الأرباب المتوسطة، ليعلل بها ما في العالم من شر ونقص وألم، فإن العقل المطلق كمال لا يحده الزمان والمكان، ولا يصدر عنه إلا الخير والفضيلة، فهذه الأرباب الوسطى هي التي تولت الخلق، لتوسطها بين الإله القادر والهيولي العاجزة ... فجاء النقص والشر والألم من هذا التوسط بين الطرفين!.

وكل هذه المظاهر المادية بطلان وخداع، لأنها تتغير وتتلون، وتتراءى للحس على أشكال وأوضاع لا تصمد على حال.

وإنما الصمود والدوام للعقل المجرد دون غيره، وفي العقل المجرد تستقر الموجودات"الصحائح"أو المثل كما سميت في الكتب العربية، وهي كالعقل المجرد خالدة دائمة، لا تقبل النقص ولا يعرض لها الفساد!

وهذه الصحائح هي المثل العليا لكل موجود يتلبس بالمادة أو الهيولي، فكل شجرة مثلًا فيها صفة أو صفات ناقصة من نعوت الشجرية، فأين هي الشجرة التي لا نقص فيها؟ هي في عقل الله منذ القدم، وكل تلبس بالمادة من خصائص الشجرية، فهو محاكاة لذلك المثل الأعلى" [58] ."

"والله عند أرسطو هو العلة الأولى، أو المحرك الأول."

فلا بد لهذه المتحركات من محرك، ولابد للمحرك من محرك آخر متقدم عليه، وهكذا حتى ينتهي العقل إلى محرك بذاته، أو محرك لا يتحرك، لأن العقل لا يقبل التسلسل في الماضي إلى غير نهاية.

وهذا المحرك الذي لا يتحرك لابد أن يكون سرمدًا، لا أول له ولا آخر، وأن يكون كاملًا منزهًا عن النقص والتركيب والتعدد، وأن يكون مستغنيًا بوجوده عن كل موجود.

وهذا المحرك سابق للعالم في وجوده، سبق العلة لا سبق الزمان، كما تسبق المقدمات نتائجها في العقل، ولكنها لا تسبقها في الترتيب الزمني، لأن الزمان حركة العالم، فهو لا يسبقه، أو كما قال:"لا يُخلَق العالم في زمان".

وعلى هذا يقول أرسطو بقدم العالم على سبيل الترجيح الذي يقارب اليقين، إلا أنه يقرر في كتاب"الجدل"أن قدم العالم مسألة لا تثبت بالبرهان.

وإجمال براهينه في هذه القضية: أن إحداث العالم يستلزم تغييرًا في إرادة الله، والله منزه عن الغير، فهو إذا أحدث العالم، فإنما يحدثه ليبقى - جل جلاله - كما كان، أو يحدثه لما هو أفضل، أو يحدثه لما هو مفضول، وكل هذه الفروض بعيدة عما يتصوره أرسطو في حق الله، فإذا حدث العالم وبقي الله كما كان، فذلك عبث، والله منزه عن العبث، وإذا أحدثه ليصبح أفضل مما كان، فلا محل للزيادة على كماله، وإذا أحدثه ليصبح مفضولًا، فذلك نقص يتنزه عنه الكمال!

وإذا كانت إرادة قديمة لا تتغير، فوجود العالم ينبغي أن يكون قديمًا كإرادة الله، لأن إرادة الله هي علة وجود العالم، وليست العلة مفتقرة إلى سبب خارج عنها، فلا موجب إذن لتأخر المعلول عن علته، أو لتأخر الموجودات عن سببها الذي لا سبب غيره.

فالإنسان يجوز أن يريد اليوم شيئًا ثم يتأخر إنجازه، لنقص الوسيلة، أو لعارض طارئ، أو لعدول عن الإرادة، وكل ذلك ممتنع في حق الله!

وقد أفرط أرسطو في هذا القياس، حتى قال: إن الله - جل وعلا - لا يعلم الموجودات، لأنها أقل من أن يعلمها، وإنما يعقل الله أفضل المعقولات، وليس أفضل من ذاته، فهو يعقل ذاته، وهو العاقل والعقل والمعقول، وذلك أفضل ما يكون!" [59] ."

"وقد بلغ أفلوطين غاية المدى في تنزيه الله، فالله عنده فوق الأشباه، وفوق الصفات، ولا يمكن الإخبار عنه بمحمول يطابق ذلك الموضوع."

بل هو عنده فوق الوجود!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت