الصفحة 2 من 62

5)إننا نتساءل: لِمَ إنكار النقل عن المعاصرين والسكوت عن النقل عن المتقدمين الذين لهم زلات معروفة ومشتهرة؟ إننا نظن أن الحامل على هذا هو حساسية (المعاصرة) التي تجعل المرء يضيق ذرعًا بمن يخالفه إذا كان معاصرًا له، لما يصدر غالبًا من ردود تتضمن التخطئة أو التجريح أو التبديع، مما قد يدفع إلى رد مماثل و تجاوز في الخصومة.

وما زال أهل العلم ينقلون ما يرونه حقًا عن قوم لهم زلات كبيرة أو صغيرة، ولا يرون بذلك بأسًا، ولو أن مؤلفًا في أصول الفقه - مثلًا - نقل بعض مسائله عن كتاب (المستصفى) للشيخ أبي حامد الغزالي لما كان عليه في ذلك من سبيل، هذا مع ما للغزالي من زلات في أبواب الاعتقاد وغيره، وما أجمل ما ذكره الذهبي في سير أعلام النبلاء عندما قال: (الغزالي إمام كبير، وما من شرط العالم أنه لا يخطئ) (4) .

ولو لم نفعل ذلك لاندثر العلم وانقرضت فنونه، إذ لا يسلم أحد من الزلل كما قال القائل:

إذا أنت لم تشرب مرارًا على القذى ظمئت وأي الناس تصفو مشاربه

وهذا ما حمل العلماء على أن ينقلوا عن أهل البدع رواية الحديث إذا كانوا معروفين بالصدق، وقد أخرج الإمام البخاري رحمه الله وهو أمير المؤمنين في علم الحديث عن جماعة من الخوارج والمرجئة وغيرهم لمَّا اطمأن إلى صدقهم.

الثالثة: ما بلغنا من تعليق بعض مقلدة الشيوخ، الذين يعارضون النصوص الشرعية والأدلة العلمية - بل وفتاوى الأقدمين - بأقوال شيوخهم، ولا يرفعون بها رأسًا إلا إذا وافقت أقوالهم، مع دعواهم اتباع منهج السلف، وهي دعوى عريضة قامت الأدلة من سلوكهم ومواقفهم على بطلانها.

فنقول لهؤلاء: إن كنتم مقلدين - وهذا ما يقوله لسان الحال بل لسان مقال بعضكم - فليس للمقلد أن يرجح أو يصوب أو يزيف أو يخطِّئ - كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية - وإن كنتم متبعين فما هكذا تورد الإبل.

إن السير إلى الله تعالى سواء كان عبادة لله عز وجل، أو دعوة إليه، أو جهادًا في سبيله، لابد أن يكون على بصيرة واتباع، وفق منهج منضبط سالم من التقليد الأعمى، أو حجاب المعاصرة، أو التعصب لغير الحق.

وهذا ما حاولنا أن نسير عليه في هذا الكتاب، فإن أصبنا فمن الله وحده، وإن أخطأنا فمن أنفسنا والشيطان والله ورسوله منه برئ، ونسأله أن يغفر لنا ويتجاوز عنا.

كما نسأله سبحانه أن يوفق سائر العاملين لنصرة الإسلام إلى الاجتماع على كلمة سواء، وأن يمكن للمسلمين دينهم الذي ارتضى لهم، وأن ينصر أولياءه المجاهدين، وأن يخذل أعداء الدين، إنه سميع قريب.

{قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة أَنَا ومن اتبعني وسبحان الله وما أَنَا من المشركين} (5) .

{أَوَ من كان ميتًا فأحييناه وجعلنا له نورًا يمشي به في الناس كمن مَثَلُه في الظلمات ليس بخارجٍ منها كذلك زُيِّن للكافرين ما كانوا يعملون} (6) .

(1) النساء: 115.

(2) البقرة: 89.

(3) اقتضاء الصراط المستقيم ص8.

(5) يوسف: 108.

(6) الأنعام: 122.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت