الصفحة 3 من 62

إن الحمد للّه، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهدُ ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهدُ أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم.

{يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً واتقوا الله الذي تَسَّآءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا} (1) . {يا أيها الذين ءامنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون} (2) . {يا أيها الذين ءامنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا} (3) .

أما بعد؛

فإن أحسن الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

إن الأمة الإسلامية اليوم تعيش غربتها الثانية التي أخبر عنها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ فطوبى للغرباء) (4) ، وتعيش حالة من اليتم والضياع، حيث عصفت عليها رياح الفتن التي حذر منها الرسول صلى الله عليه وسلم في أحاديثه الكثيرة؛ وإن من أعظم ما ابتليت به هذه الأمة هو سقوط الخلافة التي كانت تحرس دين المسلمين، وتسوس دنياهم على مقتضى الشريعة الغراء، وهذا الأمر- أعني سقوط الخلافة - أنتج لنا واقعًا مرًا في شتى مجالات الحياة: فأصبحت قوانين الكفار تحكم رقاب المسلمين وأعراضهم وأموالهم، بعد أن كانت السيادة لكتاب الله تعالى، وأصبح المسلمون ذيلًا بعد أن كانوا قادة لغيرهم من الأمم، وأصبحت ثرواتهم الضخمة نهبة لكل سارق، وفريسة لكل طامع، ونجح أعداؤنا - إلى حد كبير- في سلب شعور الاعتزاز بهذا الدين في نفوس كثير من أبناء المسلمين، عن طريق وسائل الإعلام ومناهج التعليم وغيرها من أسباب الدمار، حتى صار كثير من المسلمين يشعرون بالتبعية والانهزام أمام اليهود والنصارى والملاحدة، ولم يخرج العدو من بلاد المسلمين حتى غرس في كل قطر طاغوتًا يكمل المسيرة، وينفذ المخططات، ويحارب الأبناء البررة لهذا الدين الذين يريدون أن تكون كلمة الله هي العليا ويكون الدين كله لله. لكن هل بعد هذا الشر من خير؟ نعم. فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن خلافة على منهاج النبوة سيلوح فجرها في الأفق من جديد (5) وأخبر أن هذا الدين سيبلغ مبلغ الليل والنهار ويدخل كل بيت بعز عزيز أو بذل ذليل (6) ، وأخبر أن ملك أمته سيبلغ مشارق الأرض ومغاربها (7) ، وأخبر أن الله يبعث على رأس كل مائة سنة من يجدد لهذه الأمة دينها (8) .

إن الله تكفل بحفظ دينه وصيانة شريعته لكن لهذا الحفظ أسبابًا ولهذه الصيانة أدوات، فكما حفظ الله دينه بأبي بكر الصديق رضي الله عنه فألهمه أن يقاتل المرتدين، وكما حفظ الله كتابه فألهم الصحابة أن يجمعوه في مصحف، فلابد أن يقيض الله في هذا الزمان من يُغير على يديه هذا الواقع الأليم، مصداقًا لقوله تعالى: {يا أيها الذين ءامنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأت الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم} (9) .

فلابد من أناس يُشخِّصون الداء ويصفون الدواء، يميزون بين الحق والباطل، وبين الغي والرشاد، ويُفرقون بين العدو والصديق، ويعرفون كيف يواجهون عدوهم.

إنّ إقامة الدين واجب على المسلمين لا يسعهم تركه، كالصلاة والزكاة والصوم والحج، وليس نافلة ولا تطوعًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت