المبحث الأول؛ العمل الجماعي: أولًا: مشروعيته
قال الله تعالى: {وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان} (1) ، وقال تعالى: {إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفًا كأنهم بنيان مرصوص} (2) ، وقال صلى الله عليه وسلم: (وأنا آمركم بخمس أمرني الله بهن: الجماعة والسمع والطاعة والهجرة والجهاد في سبيل الله) (3) ، وقال صلى الله عليه وسلم: (عليكم بالجماعة، وإياكم والفرقة، فإن الشيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد، من أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة) (4) والآيات والأحاديث في ذلك كثيرة، ومنها قوله صلى الله عليه وسلم: (إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم) (5) ، والحكمة من التأمير جلب مصلحة الائتلاف وجمع الكلمة، ودفع مفسدة الاختلاف والفرقة، ولذلك قال الشوكاني بعد ذكر أحاديث السفر هذه: (وفيها دليل على أنه يشرع لكل عدد بلغ ثلاثة فصاعدًا أن يُؤمروا عليهم أحدهم، لأن في ذلك السلامة من الخلاف الذي يؤدي إلى التلاف، فمع عدم التأمير يستبد كل واحد برأيه ويفعل ما يطابق هواه فيهلكون، ومع التأمير يقل الاختلاف وتجتمع الكلمة، وإذا شرع هذا لثلاثة يكونون في فلاة من الأرض أو يسافرون، فشرعيته لعدد أكثر يسكنون القرى والأمصار، ويحتاجون لدفع التظالم وفصل التخاصم، أوْلى وأحرى) (6) .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (فأوجب صلى الله عليه وسلم تأمير الواحد في الاجتماع القليل العارض في السفر، تنبيهًا بذلك على سائر أنواع الاجتماع) (7) ، وقال أيضًا: (فإذا كان قد أوجب في أقل الجماعات وأقصر الاجتماعات أن يولّى أحدهم، كان هذا تنبيهًا على وجوب ذلك فيما هو أكثر من ذلك) (8) ، وإنّما خصَّ الرسول صلى الله عليه وسلم الثلاثة بالذكر لأنها أول مراتب الجمع، واعتبر ذلك بمسألة التناجي، فقد قال صلى الله عليه وسلم: (إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى رجلان دون الآخر حتى تختلطوا بالناس، أَجْلَ أن ذلك يحزنه) (9) .
قال القرطبي: (وعلى هذا يستوي في ذلك كل الأعداد، فلا يتناجى أربعة دون واحد ولا عشرة ولا ألف مثلا لوجود ذلك المعنى في حقه، بل وجوده في العدد الكثير أمكَنُ وأوقع فيكون بالمنع أولى وإنما خص الثلاثة بالذكر لأنه أول عدد يتأتَّى ذلك المعنى فيه) (10) .
والقياس في مسألتي الإمارة والتناجي قياس جلي (11) ، وهو من قياس الأَوْلى، ولا ينكره إلا من غفل عن علل الأحكام، وأهدر المعاني، ووقف عند الظواهر، وسنذكر في المبحث الثاني - إن شاء الله - أن الأخذ بالقياس الصحيح هو منهج السلف رضي الله عنهم.
وقال الجويني: (قال بعض العلماء: لو خلا الزمان عن السلطان، فحق على قُطِّان كل بلدة، وسكان كل قرية، أن يُقَدِّموا من ذوي الأحلام والنُهى، وذوي العقول والحجا، من يلتزمون امتثال إشاراته وأوامره، وينتهون عن مناهيه ومزاجره، فإنهم لو لم يفعلوا ذلك ترددوا عند إلمام المهمات، وتبلدوا عند إظلال الواقعات) (12) .
إن هدفنا هو مرضاة الله تعالى بأداء فرائضه واجتناب معاصيه، وإن من أعظم ما افترضه علينا هو إقامة دينه وتحكيم شريعته، ودون ذلك عقبات ومخاطر، وإن أعداء هذا الدين بمختلف مللهم ونحلهم، يخططون للقضاء على ما بقي من الإسلام، ولما كان الهدف بهذه الضخامة، والعبء بهذه الجسامة، كان لابد لنا من التلاحم والتكاتف، وتجميع الطاقات والتعاون على أداء هذه الفريضة، فإن مالا يتم الواجب إلا به فهو واجب.