الصفحة 50 من 62

تَفرَّدَ الله سبحانه وتعالى بخلق هذا الإنسان، وسخر له ما في السماوات وما في الأرض جميعًا منه، فكان له الخلق وحده ونفى مشاركة غيره فيه.

فقال تعالى: {ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم وما كنت متخذ المُضِلّين عضدا} (1) . وقال تعالى: {قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ومالهم فيهما من شرك وماله منهم من ظهير} (2) ، والله سبحانه وتعالى الخالق لهذا الإنسان، والمسخر لهذا الكون، لم يخلق خلقه عبثًا، ولم يتركهم سدى، بل أنزل عليهم الكتب، وأرسل إليهم الرسل، وختمهم بالقرآن الذي أنزله على قلب محمد صلى الله عليه وسلم ليكون من المنذرين بلسان عربي مبين، قال تعالى: {لكنِ اللَهُ يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه والملائكة يشهدون وكفى بالله شهيدًا} (3) .

وقال تعالى: {ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير} (4) ، فالله تعالى العليم بما يصلح البشر شرع لهم ما يكفل مصالحهم في الدنيا والآخرة، وشرع لهم ما يصبغون به كل جوانب حياتهم حتى تكون لله خالصة، {صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة ونحن له عابدون} (5) ، وكان هذا أمرًا بدهيًا لمن كان له قلب، فالذي تفرد بالخلق هو الذي ينبغي أن يتفرد بالأمر {ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين} (6) .

إن الذي خلق كل ما في الإنسان من جسد وروح، وعقل وعاطفة، ومواهب وقدرات، هو صاحب الحق في التشريع المناسب له، ولكن هذه الحقيقة البدهية يجادل فيها من طمس الله على بصيرته وأعمى قلبه فضلَّ عن سواء الصراط، فخرج علينا من يقول: ما للدين وللسياسة؟ وما للدين والاقتصاد؟ وما للدين والعلاقات الدولية والسياسات الخارجية؟ فتبعوا سنن من قبلهم من الكفرة أعداء الرسل، فعندما قام شعيب عليه السلام يدعو قومه إلى التوحيد وإلى إيفاء الكيل والميزان قالوا: {يا شعيب أصلواتك تأمرك أن نترك ما يعبد ءاباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء إنك لأنت الحليم الرشيد} (7) ، يصفونه بالحلم والرشد استهزاءً به نظير ما يلقاه الدعاة إلى الله وإلى أن يكون الدين كله لا بعضه لله، فسبحان الله! أتواصوا به أم تشابهت قلوبهم؟ ومازالت جهودهم تترى حتى حسروا مفهوم الدين في جانب محدود من الحياة، ورضوا له بصفحة في مجلة وحلقة في الإذاعة، ووزارة للأوقاف، وقوانين للأحوال الشخصية، بينما تأخذ التشريعات الوضعية من حياة الناس نصيب الأسد.

وفي مثل هذه الأوضاع يأمرنا الله عز وجل بأمره الرباني: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله} (8) .

قال شيخ الإسلام: (فإذا كان بعض الدين لله، وبعضه لغير الله، وجب قتالهم حتى يكون الدين كله لله) (9) . حتى تخلص الإذاعة كلها لله، وتخلص المجلة كلها لأمر الله، وتصطبغ كل مرافق الحياة بصبغة الله، أما أن يتمزق المسلم بين المسجد والمرقص، أو بين صفحة الفتاوى والحكم وصفحة الفن والخلاعة، أو بين حكم الله وحكم نابليون، فإن الله يغار على توحيده، ويأمر عباده المؤمنين بإزالة هذا التناقض.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت