اتخذنا الجهاد في سبيل الله طريقًا لأنه:
أولًا - وقبل كل شيء - فريضة من الله تعالى تأكد وجوبها اليوم على المسلمين فقد اجتمعت في هذا العصر كل موجبات الجهاد ودوافعه، ومنها:
أ) استيلاء الكفار على أراضي المسلمين:
فقد انعقد الإجماع في هذه الحالة على وجوب دفعهم وقتالهم على كل المسلمين في تلك الأرض المغتصبة، وعلى من يليهم إذا احتيج إليهم. وأصل المسألة أيضًا قوله تعالى: {يا أيها الذين ءامنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفًا فلا تولوهم الأدبار} (1) .
وقال الجويني: (فأما إذا وطئ الكفار ديار الإسلام فقد اتفق حملة الشريعة قاطبة على أنه يتعين على المسلمين أن يَخِفُّوا ويطيروا إلى مدافعتهم زرافات ووحدانًا، حتى انتهوا إلى أن العبيد ينسلّون عن ربقة طاعة السادة، ويبادرون الجهاد على الاستبداد) (2) .
وقال شيخ الإسلام: (فأما إذا أراد العدو الهجوم على المسلمين فإنه يصير دفعه واجبًا على المقصودين كلهم وعلى غير المقصودين لإعانتهم كما قال تعالى: {وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر} ، وكما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بنصر المسلم، وسواء أكان الرجل من المرتزقة للقتال أو لم يكن وهذا يجب بحسب الإمكان على كل أحد بنفسه وماله مع القلة والكثرة والمشي والركوب، كما كان المسلمون لمّا قصدهم العدو عام الخندق لم يأذن الله في تركه أحدًا كما أذن في ترك الجهاد ابتداءً لطلب العدو، والذي قسمهم فيه إلى قاعد وخارج، بل ذم الذين يستأذنون النبي يقولون إن بيوتنا عورة، فهذا دفع عن الدين والحرمة والأنفس وهو قتال اضطرار) (3) .
وقال أيضًا: (وأما قتال الدفع فهو أشد أنواع دفع الصائل عن الحرمة والدين فواجب إجماعًا، فالعدو الصائل الذي يفسد الدين والدنيا لاشيء أوجب بعد الإيمان من دفعه، فلا يشترط له شرط بل يُدفع بحسب الإمكان، وقد نص على ذلك العلماء من أصحابنا وغيرهم، فيجب التفريق بين دفع الصائل الظالم الكافر وبين طلبه في بلاده) (4) .
مسألة: وننبه هنا إلى مسألة مهمة قد تغيب عن الأذهان، وهي أن جواز الفرار من العدو إذا جاوز عدده ضعف عدد المسلمين إنما هو في جهاد الطلب الذي يخرج فيه المسلمون لغزو العدو في داره، أما جهاد الدفع الذي يتعين عند حلول العدو بعقر ديارنا فلا يجوز فيه الفرار بحال.
قال شيخ الإسلام: (وقتال الدفع مثل أن يكون العدو كثيرًا لا طاقة للمسلمين به لكن يُخاف إن انصرفوا عن عدوهم عطف العدو على من يخلفون من المسلمين فهنا قد صرح أصحابنا بأنه يجب أن يبذلوا مُهَجَهُم ومُهَج من يُخاف عليهم في الدفع حتى يسلموا، ونظيرها أن يهجم العدو على بلاد المسلمين وتكون المُقاتِلة أقلَّ من النصف فإن انصرفوا استولوا على الحريم، فهذا وأمثاله قتال دفع لا قتال طلب لا يجوز الانصراف فيه بحال، ووقعة أحد من هذا الباب) (5) .
واعلم يا أخي- رحمنا الله وإياك - أن الكفاية إذا لم تحصل يكون الجهاد كفرض العين مخاطبًا به جميع المسلمين إلى أن تحصل الكفاية ويندفع العدو.
قال في الدر المختار: (وإياك أن تتوهم أن فرضيته تسقط عن أهل الهند بقيام أهل الروم - مثلًا - بل يفرض على الأقرب فالأقرب من العدو إلى أن تقع الكفاية فلو لم تقع إلا بكل الناس فُرض عينًا كصلاة وصوم) (6) .
وقال القرطبي: (كل من علم بضعفهم - أي المسلمين - عن عدوهم وعلم أنه يدركهم ويمكنه غياثهم لزمه أيضًا الخروج إليهم) (7) ، فليست الكفاية بوجود القتال وقيامه بل الكفاية بدفع العدو وإخراجه وحسم المعركة لصالح المسلمين. وهذا حتى إذا قلنا إن الجهاد في هذه الحال فرض عين على أهل البلد المغتصب وفرض كفاية على غيرهم.
ب) ارتداد حكام المسلمين: