وذلك لاستبدالهم بشرع الله القوانين الوضعية، وقد انعقد الإجماع على وجوب خلع السلطان إذا كفر. وسنفرد المبحث الخامس لهذا الموضوع إن شاء الله.
ج) ظهور هؤلاء الحكام وقواتهم في شكل طوائف ممتنعة:
والطائفة الممتنعة هي كل مجموعة ذات قوة وشوكة تمتنع عن أداء شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة كالصلاة والزكاة والصوم أو تحريم الربا أو الخمر أو نحوهما، وقد أجمع المسلمون على وجوب قتال أي طائفة امتنعت عن شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة. فكيف إذا بطشت بالمسلمين والدعاة إلى الله الذين يأمرون الناس بالقسط ويريدون أن يكون الدين كله - لا بعضه - لله؟! وكيف إذا أصبحت المنكرات محمية بسطوة القانون وأصبح المنكر لها هو الخارج عن الشرعية والمستحق للعقوبة؟! فاللهم إليك نشكو غربة الإسلام.
قال شيخ الإسلام: (كل طائفة ممتنعة عن التزام شرائع الإسلام الظاهرة من هؤلاء القوم - أي التتار - أو غيرهم فإنه يجب قتالهم حتى يلتزموا شرائعه وإن كانوا مع ذلك ناطقين بالشهادتين وملتزمين ببعض شرائعه كما قاتل أبو بكر والصحابة رضي الله عنهم مانعي الزكاة وعلى هذا اتفق الفقهاء بعدهم) (8) بل ذهب بعض أهل العلم إلى قتال أهل البلد الممتنع عن بعض السنن الراتبة أو الأذان.
قال شيخ الإسلام: (وقد اختلف الفقهاء في الطائفة الممتنعة لو تركت السنة الراتبة كركعتي الفجر هل يجوز قتالها؟ على قولين، فأما الواجبات والمحرمات الظاهرة المستفيضة فيقاتَل عليها بالاتفاق) (9) ، وهؤلاء الحكام فضلًا عن ردتهم فإنهم يشكلون بقواتهم من الأمن أو الجيش أو الشرطة طائفة ممتنعة محاربة، وكل من ناصر هؤلاء الحكام على علم بحالهم، ودون عذر شرعي معتبر كالإكراه والجهل فحكمه حكمهم.
د) غياب الخلافة الإسلامية:
ذكرنا من قبل قول الجويني: (فنصب الإمام عند الإمكان واجب) ونقل الإجماع على ذلك (10) ، وقال مستدلًا على ذلك: (أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رأوا البدار إلى نصب الإمام حقًا فتركوا لسبب التشاغل به تجهيز رسول الله صلى الله عليه وسلم ودفنه مخافة أن تتغشاهم هاجمة محنة) (11) .
إن حاجة المسلمين إلى دولة تؤويهم وتسوس دنياهم وتحرس دينهم، أشد من حاجتهم إلي الطعام والشراب والهواء، وإن حالة المسلمين اليوم حالة فتنة وهرج عظيمين، وماذا بعد أن يحكم في المسلمين شرع الغاب وقوانين الكفرة وأهل الكتاب؟! وماذا بعد أن ينبذ كتاب الله وراء الظهور، وتكون لأحكام الكفر الغلبة والظهور؟!
إلا إن طول الأمد واستمراء الأوضاع الشاذة، هو الذي يجعل كثيرًا من المسلمين لا يشعرون بفداحة الخطب وعظم المصيبة، وإن النظرة في أبواب السياسة الشرعية وفي تاريخنا الإسلامي المجيد لكفيلة بإيقاظ المسلمين وتنبيههم إلى الدرك الذي وصلوا إليه إلا من رحم ربك، ولذلك يحرص أعداؤنا على حجز الأجيال عن تاريخهم وتشويه هذا التاريخ وتزييفه. وقد نص أهل العلم على وجوب تنصيب الخليفة إما بعزل الحاكم الكافر أو بقتاله.
قال النووي: (قال القاضى: فلو طرأ عليه كفر وتغيير للشرع أو بدعة خرج عن الولاية وسقطت طاعته - إلى أن قال - ووجب عليهم القيام بخلع الكافر) (12) .
وتنصيب الإمام سلميًا- اليوم - أمر خيالي وإن زخرف وزين بالأساليب الكفرية كالديمقراطية وغيرها، وإذا أردنا أن نصف الديمقراطية بصفتها الشرعية فلنسمها (الخيرة من أمرهم) قال تعالى: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرًا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعْصِ الله ورسوله فقد ضل ضلالًا مبينا} (13) .
إن العبرة في شرعنا بالمسميات لا بالأسماء، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (يشرب ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها) (14) .