الصفحة 43 من 62

هـ) امتلاء السجون بأسرى المسلمين:

لمّا جاء موسى فرعون بالآيات البينات، والحجج القاطعات، ولم يجد فرعون حجة قال: {لئن اتخذت إلها غيرى لأجعلنك من المسجونين} (15) . والطواغيت اليوم على طريق فرعون سائرون، وبسنته مقتدون، فعجَّت السجون بمن لا ذنب لهم إلا أنهم قالوا ربنا الله، ولا جريمة لهم إلا أنهم دعوا إلى تحكيم شريعة الله، فوجب على المسلمين العمل على تخليص هؤلاء الأسرى، وهذا من حق المسلم على المسلم، قال تعالى: {ومالكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليًا واجعل لنا من لدنك نصيراُ} (16) . وروى الشيخان عن ابن عمر رضى الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه، من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة) (17) . لا يسلمه: أي إلى عدوه. وفى رواية مسلم والترمذى عن أبى هريرة مرفوعًا: (ولا يخذله) وقال: حديث حسن (18) .

ولا يخذله: أي لا يترك نصرته وقال صلى الله عليه وسلم: (فكوا العاني وأطعموا الجائع وعودوا المريض) رواه البخاري عن أبى موسى. والعاني: الأسير (19) . قال ابن بطال: (فكاك الأسير واجب على الكفاية وبه قال الجمهور) (20) .

وقال الله تعالى: {ومالكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليًا واجعل لنا من لدنك نصيرا} (21) .

قال ابن العربي رحمه الله: (قال علماؤنا: أوجب الله سبحانه في هذه الآية القتال لاستنقاذ الأسرى من يد العدو مع ما في القتال من تلف النفوس، وكان بذل المال في فدائهم أوجب لكونه دون النفس وأهون منها، وقد روى الأئمة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(أطعموا الجائع، وعودوا المريض، وفكوا العاني) ، وقد قال مالك: (على الناس أن يفدوا الأسارى بجميع أموالهم، ولذلك قال: عليهم أن يواسوهم، فإن المواساة دون المفاداة) (22) .

قال القرطبي عند قوله تعالى: {وإن يأتوكم أُسارى تفادوهم} (23) : (ولعمر الله لقد أعرضنا نحن عن الجميع بالفتن فتظاهر بعضنا على بعض، ليت بالمسلمين بل بالكافرين حتى تركنا إخواننا أذلاء صاغرين، يجري عليهم حكم المشركين، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. قال علماؤنا: فداء الأُسارى واجب وإن لم يبق درهم واحد.

قال ابن خويزمنداد: (تضمنت الآية وجوب فك الأسرى وبذلك وردت الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فك الأسارى وأمر بفكهم، وجرى بذلك عمل المسلمين وانعقد به الإجماع) (24) ، ويجب فك الأسارى من بيت المال، فإن لم يكن- أي إن لم يوجد بيت مال للمسلمين - فهو فرض على كافة المسلمين، ومن قام به منهم أسقط الفرض عن الباقين) (25) .

وجاء في حاشية ابن عابدين: (وفي البزازية: مسلمة سُبيت بالمشرق وجب على أهل المغرب تخليصها من الأسر ما لم تدخل دار الحرب) (26) .

ثانيًا: واتخذنا الجهاد طريقًا لأنه مقتضى الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام رضي الله عنهم أجمعين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت