المبحث الثالث؛ الإعداد: أولًا؛ الجانب العسكري
قال الله تعالى: {ولا يحسبن الذين كفروا سبقوا إنهم لا يعجزون * وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وءاخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم وما تنفقوا من شئ في سبيل الله يُوَفَّ إليكم وأنتم لا تظلمون} (1) .
إن الله تعالى ناصرٌ دينَه و عبادَه المؤمنين، وإن هؤلاء الكفار لن يعجزوا الله تعالى ولن يسبقوا إرادته، ولكن على المؤمنين أن يأخذوا بالأسباب التي أمرهم الله بها، وأن يُعِدوا ما يستطيعون من القوة التي ترهب أعداء الله تعالى الظاهرين والمستترين وإن النفقة في سبيل الله وفي الإعداد وتجهيز الغزاة لن تضيع هباء ولن تذهب سدىً، وإنما تضاعف إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة.
إن الله تعالى يريد لعباده العزة والغلبة والظهور، {ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون} (2) ، ويعلم تعالى أن أعداءنا لن يتركونا ولن يتوقفوا عن محاربتنا حتى نرتد عن ديننا -نعوذ بالله من ذلك -ولهذا اختار الله لنا القوة وأمرنا بإعدادها، لكن المسلمين تركوا ما اختار الله لهم، وغفلوا عن سر عزتهم، وسبب قوتهم، فطمع فيهم شذاذ الآفاق أحفاد القردة والخنازير، هؤلاء اليهود الذين دمغهم الله في كتابه بأقبح النعوت وأبشع الأوصاف، وصفهم بالجبن فقال: {لا يقاتلونكم جميعًا إلا في قُرًى مُحَصَّنة أو من وراء جُدُر} (3) .
ووصفهم بالحرص على الدنيا: {ولتجدنهم أحرص الناس على حياة} (4) .
ووصفهم بالذل: {ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا} (5) .
لكن هؤلاء الجبناء الإذلاء الحراص تمكنوا من إقامة دولتهم في قلب بلاد المسلمين وفي منطقة من أعز المناطق وأحبها إلى المسلمين، مسرى رسولهم صلى الله عليه وسلم وأولى القبلتين، فإلى أي مدى وصل المسلمون؟! وفي أي منزلة صاروا؟!!
لابد للمسلمين من أن ينفضوا عنهم غبار الذل والمهانة، وأن يتلمسوا أسباب المرض ليعرفوا الدواء، إن لدى المسلمين طاقات كثيرة علمية وفكرية وغيرها، ولكنها مسخرة لخدمة أوضاع قامت لمحاربة الله ورسوله، والمسلمون تنقصهم القوة التي تمكنهم من توظيف طاقاتهم لخدمة دينهم، هذه القوة التي آلت إلى أيدي الأعداء الداخليين و الخارجيين.
روى مسلم عن عقبة بن عامر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ وهو على المنبر قوله تعالى: {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل} ، ثم قال: (ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي) (6) ، وروى مسلم عن عقبة بن عامر أيضًا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ستفتح عليكم أرضون ويكفيكم الله، فلا يعجزْ أحدكم أن يلهو بأسهمه) (7) .
فحتى إذا فُتحت الأراضي على المسلمين وأَمِنوا شر عدوهم فعليهم ألا ينسوا التدريب على الرمى وأن يلهوا بأسهمهم، لأنه من علم الرمي ثم نسيه فإنما هي نعمة كفرها (8) ، فكيف يكون الأمر إذا انتقصت أراضي المسلمين، وانتهكت حرماتهم؟! أفلا يكون الإعداد أوجب واتخاذ القوة ألزم؟!
وإذا كان هذا واجبًا على المسلمين فإن وجوبه على طائفة مجاهدة اتخذت القتال شعارًا ودثارًا يصير مؤكدا.
ولاشك أن الإعداد العسكري هو المقصود في آية الأنفال السابقة بنص حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم (ألا إن القوة الرمي) ، حتى لا يتجرأ محرف أو يتأول جاهل هذا الأمر على غير وجهه، فيستدرك على رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقول إن القوة هي قوة الإيمان والعقيدة وغيرها.
ذلك أن قوله: (القوة الرمي) جملة اسمية معرفة الطرفين، فهي تفيد الحصر كما هو معلوم في البلاغة، ولاشك أن قوة الإيمان أمر مطلوب وله أثر في النصر، ولكن أولًا: هذا يؤخذ من أدلة أُخَرَ لا من هذه الآية.