الصفحة 33 من 62

ثانيًا: تقوية الإيمان أو التربية ليست مرحلة لا يتم الجهاد إلا بعدها، وإنما هي أمر ملازم للمسلم طول حياته، قال تعالى: {واعبد ربك حتى يأتيك اليقين} (9) ، وروى البخاري عن البراء قال: (أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل مقنع بالحديد فقال: يا رسول الله أقاتل أو أُسْلِمُ قال: أَسْلِمْ ثم قَاتِلْ، فأسَلَمَ ثم قَاتَل فقُتِلَ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: عمل قليلًا وأُجِرَ كثيرًا) (10) ، فهذا الرجل لم يحجزه النبي صلى الله عليه وسلم عن ميادين الجهاد بحجة تربيته أو تعليمه.

لابد من إعداد يناسب حجم المعركة، وليس بالضرورة أن تستوي قوتنا مع قوة عدونا.

والناس في أمر الإعداد طرفان ووسط، فمنهم من غالى فيه حتى جعله حجة للقعود عن قتال العدو، ومن المقرر في علم الأصول أن كل تكملة تعود على الأصل بالإبطال فهي غير معتبرة شرعًا.

قال الشاطبي رحمه الله: (كل تكملة فلها - من حيث هي تكملة - شرط وهو ألاَّ يعود اعتبارها على الأصل بالإبطال) (11) .

فالأصل هو الجهاد، والتكملة هي الإعداد، فإذا أدى الإعداد إلى ترك الجهاد كان باطلًا. ومن الناس من جفا عن الإعداد وفرَّطَ فيه وتَرَكَ أمر الله به، ودين الله وسط بين الغالي فيه والجافي عنه، فعلى المسلمين أن يعدوا أنفسهم بما لا يخرم أصل الجهاد في سبيل الله (12) .

(1) الأنفال: 59 - 60.

(2) المنافقون: 8.

(3) الحشر: 14.

(4) البقرة: 96.

(5) آل عمران: 112.

(6) رواه مسلم في كتاب الإمارة - باب فضل الرمي والحث عليه وذم من علمه ثم نسيه. والترمذي في كتاب تفسير القرآن - باب ومن سورة الأنفال. وأحمد في المسند: 17468.

(7) المصادر السابقة.

(8) رواه أحمد في المسند: 17374.وأبو داود في كتاب الجهاد من سننه - باب في الرمي، وعند مسلم في كتاب الإمارة - باب فضل الرمي والحث عليه وذم من علمه ثم نسيه بلفظ (من علم الرمي ثم تركه فليس منا أو قد عصى) ، والنسائي في كتاب الخيل - باب تأديب الرجل فرسه ولفظه: (من ترك الرمي بعد ما علمه رغبة عنه فإنها = نعمة كفرها أو قل كفر بها) ، والدارمي في كتاب الجهاد - باب فضل الرمي والأمر به. كلهم من حديث عقبة بن عامر.

(9) الحجر: 99.

(10) رواه أحمد في المسند: 18588، 18615. والبخاري في كتاب الجهاد - باب عملٌ صالح قبل القتال. ومسلم في كتاب الإمارة - باب ثبوت الجنة للشهيد مع اختلاف يسير في ألفاظه.

(11) الموافقات 2/ 11.

(12) نسب البعض إلى شيخ الإسلام ابن تيمية القول بأن آية السيف أو الأمر بالقتال لم تنسخ الآيات التي أمر الله فيها في أول الإسلام بالصفح والعفو وكف الأيدي عن الكفار، ليعضد بذلك مذهبه وطريقته في العمل للإسلام بأسلوب يستبعد العمل الجهادي من خارطته، فهل هذا هو قول شيخ الإسلام حقًا؟ الحق أن المتدبر لكلام شيخ الإسلام مع جمع بعضه إلى بعض يتبين له - إن أراد التبين - أن ذلك مخالف للصواب، وأن شيخ الإسلام من المنتصرين للقول بالنسخ ولن يجد المخالف دليلًا على دعواه إلا بأخذ بعض كلام شيخ الإسلام من موطن وتفسيره على وجه متناقض مع كلامه في مواطن آخر ونبين ذلك تفصيلًا فنقول وبالله التوفيق:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت