إن كل من يستدل على دعواه بكلام شيخ الإسلام إنما يستدل بعبارة واحدة له وهي قوله في كتاب الصارم المسلول (ص 244 ط دار الكتاب العربي تحقيق خالد العلمي) : (فمن كان من المؤمنين بأرض هو فيها مستضعف أو في وقت هو فيه مستضعف فليعمل بآية الصبر والصفح والعفو عمن يؤذي الله ورسوله من الذين أوتوا الكتاب والمشركين، وأما أهل القوة فإنما يعملون بآية قتال أئمة الكفر الذين يطعنون في الدين وبآية قتال الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون) فهل قوله: (فليعمل) هي على ظاهر لفظها من إفادة الوجوب أم هي على الإباحة عند الحاجة إليها بسبب الضعف؟ وهل يمكن أن يكون هذا الضعف عامًا في جميع الأمة أم أنه لا يكون إلا في جزء منها؟ وهل يقول شيخ الإسلام بالمرحلية وعدم النسخ أم أنه يقول بالنسخ؟ وللإجابة على كل ذلك يحسن بنا أن نستعرض كل كلامه في كتاب الصارم المسلول عن هذه المسألة، وأن نضم ذلك الكلام المبتور إلى سابقه ولاحقه ليتضح المعنى، فأول السياق كان في الرد على من يستدل بقوله تعالى: {لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذىً كثيرًا وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور} (آل عمران: 186) ، على عدم انتقاض عهد الذمي بسب الرسول صلى الله عليه وسلم، فرد ابن تيمية رحمه الله بوجوه كان الثالث منها: (أن هذه الآية وما شابهها منسوخ من بعض الوجوه) ثم بيَّن أن النبي صلى الله عليه وسلم كان مهادنًا لليهود وغيرهم أول مقدمه المدينة وأن الله أمره بالعفو والصفح {فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره} (البقرة: 109) ، أي إلى أن يظهر الله دينه ويعز جنده، ثم ذكر كيف أعز الله جنده في بدر وصارت للمسلمين صولة ثم نقل القول بالنسخ عن ابن عباس وقتادة وابن شهاب الزهري وزيد بن أسلم .. ثم قال: (وصارت تلك الآيات - أي الآمرة بالقتال - في حق كل مؤمن قوى يقدر على نصر الله ورسوله بيده أو لسانه، وبهذه الآية ونحوها كان المسلمون يعملون في آخر عمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى عهد خلفائه الراشدين وكذلك هو إلى قيام الساعة لا تزال طائفة من هذه الأمة قائمين على الحق ينصرون الله ورسوله النصر التام فمن كان من المؤمنين ... الخ) ، وتعليقنا على هذا السرد الضروري هو: (1) أن الضعف لا يمكن أن يصيب جميع الأمة بل الضعف والقوة هنا متعلقة بالأفراد لا بمجموع الأمة، ولذلك قال: ( ... في حق كل مؤمن قوي) وقال (وكذلك هو إلى قيام الساعة لا تزال طائفة من هذه الأمة قائمين على الحق ينصرون الله ورسوله النصر التام) . (2) أن شيخ الإسلام يقول بالنسخ بمعناه الاصطلاحي لأنه: (أ) لم يسمه تقييدًا ولا تخصيصًا ولا بيانًا ولا زوال حكم لزوال علته بل سماه منسوخًا من بعض الوجوه، وصرح بالنسخ في مواطن أخر سنذكرها. (ب) أنه نقله عمن ذكرنا من السلف ولم يستدرك على قولهم. (ج) أنه قال في الصارم المسلول ص (259 - 260) ، في معرض الرد على من يستدل على عدم انتقاض عهد الذمي بسب النبي صلى الله عليه وسلم بأن اليهود يقولون سمعنا وعصينا واسمع غير مسمع وراعنا، وهذا سب واستهزاء ومع ذلك لم يقتلهم النبي صلى الله عليه وسلم، فرد على هذا الاستدلال من وجوه، أولها: (أن ذلك كان في حال ضعف الإسلام في الحال التي أخبر الله عن رسوله والمؤمنين أنهم يسمعون من الذين أوتوا الكتاب والمشركين أذى كثيرًا وأمرهم بالصبر والتقوى ثم إن ذلك نُسخ عند القوة بالأمر بقتالهم حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون ....