ثم إن من الناس من يسمي ذلك نسخًا لتغير الحكم ومنهم من لا يسميه نسخًا لأن الله أمرهم بالصفح والعفو إلى أن يأتي الله بأمره وقد أتى الله بأمره من عز الإسلام وإظهاره والأمر بقتالهم حتى يعطوا الجزية عن يد وهو صاغرون، وهذا مثل قوله تعالى {فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت او يجعل الله لهن سبيلًا} (النساء: 15) ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (قد جعل الله لهن سبيلًا) رواه مسلم وغيره، فبعض الناس يسمي ذلك نسخًا وبعضهم لا يسميه نسخًا والخلاف لفظي ومن الناس من يقول: الأمر بالصفح باق عند الحاجة إليه بضعف المسلم عن القتال بأن يكون في وقت أو مكان لا يتمكن منه وذلك لا يكون منسوخًا، إذ المنسوخ ما ارتفع في جميع الأزمنة المستقبلة وبالجملة فلا خلاف أن النبي صلى الله عليه وسلم كان مفروضًا عليه لمَّا قوى أن يترك ما كان يعامل به أهل الكتاب والمشركين ومظهري النفاق من العفو والصفح إلى قتالهم وإقامة الحدود عليهم سُمّي ذلك نسخًا أو لم يسم) اه. فظهر من هذا أن من سماه نسخًا ومن جعله مشروعًا إلى وقت وحين وهو إتيان الله بأمره كلاهما متفقان أنه لا يعمل بآية الكف والصفح، وأن من لم يسمه نسخًا وجعله باقيًا فإنما هو عند العجز عن القتال لأن كف الأيدي ليس هو الأصل بل الأصل هو الحكم الشرعي المستقر وهو الأمر بالقتال وأن الواجب في حال العجز هو العمل على رفعه وإعداد القوة للتمكن من أداء فريضة الجهاد.