نفهم الإسلام كما فهمه أفقه هذه الأمة، أبَرُّها قلوبًا، وأعْمقُها علمًا، وأقلُها تكلفًا: أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وتابعوهم بإحسان، الذين مدحهم الله تعالى في كتابه، وزكاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال تعالى: {والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدًا ذلك الفوز العظيم} (1) ، وقال تعالى: {للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلًا من الله ورضوانًا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون * والذين تبوأوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شُحَّ نفسه فأولئك هم المفلحون} (2) .
وقال صلى الله عليه وسلم: (خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم) (3) وروى مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يدخل النار إن شاء الله من أصحاب الشجرة أحدُ الذين بايعوا تحتها) (4) . والآيات والأحاديث في فضائلهم كثيرة معلومة.
إن اتِّباع كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم كما فهمها سلفنا الصالح، لهو العاصمُ من الفتن والأهواء والتفرق الذي أصاب هذه الأمة فالمسلمون إذا زهدوا في طريق سلفهم المهتدين، فلا عجب أن تتقاذفهم الأهواء الباطلة والمذاهب الردية.
خَرَّج أبو عبيد في فضائل القرآن وسعيد بن منصور في تفسيره عن إبراهيم التيمي قال: (خلا عمر رضي الله عنه ذات يوم فجعل يحدث نفسه: كيف تختلف هذه الأمة ونبيها واحد؟ فأرسل إلى ابن عباس رضي الله عنهما فقال: كيف تختلف هذه الأمة ونبيها واحد وقبلتها واحدة - زاد سعيد وكتابها واحد؟ فقال ابن عباس: يا أمير المؤمنين، إنما أنزل علينا القرآن فقرأناه وعلمنا فيما أنزل، وإنه سيكون بعدنا أقوام يقرأون القرآن ولا يدرون فيما نزل، فيكون لكل قومٍ فيه رأي، فإذا كان كذلك اختلفوا - قال سعيد: فيكون لكل قوم فيه رأي، فإذا كان لكل قوم فيه رأي اختلفوا، فإذا اختلفوا اقتتلوا. قال: فزجره عمر وانتهره عليٌّ رضي الله عنه، فانصرف ابن عباس، ونظر عمر فيما قال فعرفه، فأرسل إليه وقال: أعد عليّ ما قلته، فأعاد عليه فعرف عمر قوله وأعجبه) (5) .
قال ابن القيم عن الصحابة: (وحقيق بمن كانت آراؤهم بهذه المنزلة أن يكون رأيهم لنا خيرًا من رأينا لأنفسنا، وكيف لا وهو الرأي الصادر من قلوب ممتلئة نورًا وإيمانًا، وحكمة وعلمًا، ومعرفة وفهمًا عن الله ورسوله، ونصيحة للأمة، وقلوبهم على قلب نبيهم، ولا واسطة بينهم وبينه، وهم ينقلون العلم والإيمان من مشكاة النبوة غضًا طريًا، لم يَشُبْه إشكال ولم يَشُبْه خلاف ولم تدنسه معارضة، فقياس رأي غيرهم بآرائهم من أفسد القياس) (6) .
وإن أول ما نتبع فيه سلفنا رضي الله عنهم هو أشرف العلوم قدرًا، وأعلاها منزلة، وهو الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره.
فنقول ونعتقد:
إن الله واحد أحد، فرد صمد، لم يتخذ صاحبة ولا ولدًا، فلا إله سواه، ولا معبود بحق إلا إياه.
ولا يعجزه شيء.
ولا يعزب عن علمه شيء.
وإن لله أسماء حسنى وصفاتٍ عُلىَ.
ولا نصف الله إلا بما وصف به نفسه في كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، بل نثبت الصفات ونُمِرُّها كما جاءت، لا نجاوز ذلك ولا نزيد، قال تعالى: {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} (7) .
فنؤمن أنه سبحانه مستوٍ على عرشه فوق سماواته، بائن من خلقه.