الصفحة 16 من 62

سابعًا: العمل الجماعي عند أبي حنيفة وأحمد بن نصر

قال ابن المبارك: (لما بلغ أبا حنيفة قَتْلُ إبراهيم الصائغ بكى حتى ظننا أنه سيموت، فخلوت به فقال: كان والله رجلًا عاقلًا، وقد كنت أخاف عليه هذا الأمر، قلت: وكيف كان سببه؟ قال: كان يقدم ويسألني، وكان شديد البذل لنفسه في طاعة الله، وكان شديد الورع، وكنت ربما قدَّمْتُ إليه الشيء فيسألني عنه ولا يرضاه ولا يذوقه، وربما رضيه فأكله، فسألني عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى أن اتفقنا أنه فريضة من فرائض الله تعالى، فقال لي: مُدَّ يدك حتى أبايعك، فأظلمت الدنيا بيني وبينه، قلت: ولم؟ قال: دعاني إلى حق من حقوق الله فامتنعت عليه، وقلت له: إن قام به رجل وحده قُتِل ولم يُصلح للناس أمرًا، ولكن إن وجد عليه أعوانًا صالحين ورجلًا يرأس عليهم مأمونًا على دين الله لا يحول، وكان يقتضي ذلك - يطلبه - كلما قدم عليّ تقاضي الغريم المُلِحِّ فأقول له: هذا أمر لا يصلح بواحد، ما أطاقته الأنبياء حتى عقدت عليه من السماء، وهذه فريضة ليست كسائر الفرائض، لأن سائر الفرائض يقوم بها الرجل وحده) (1) .

وأما أحمد بن نصر الخزاعي رحمه الله فقد كثر ثناء العلماء عليه، فقال عنه ابن كثير: (من أهل العلم والديانة والعمل الصالح والاجتهاد في الخير، وكان من أئمة السنة الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر) ، وقال أيضا (انتظمت البيعة لأحمد بن نصر الخزاعي في السر(2) على القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والخروج على السلطان لبدعته ودعوته إلى القول بخلق القرآن ولما هو عليه وأمراؤه وحاشيته من المعاصي والفواحش وغيرها)، وقال أيضًا: (وكان أحمد ابن نصر هذا من أكابر العلماء العاملين القائمين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وسمع الحديث من حماد بن زيد وسفيان بن عيينة وهاشم بن بشير، وكانت عنده مصنفاته كلها، وسمع من الإمام مالك أحاديث جيدة، ولم يُحدِّث بكثير من حديثه، وحدَّث عنه أحمد بن إبراهيم الدورقي وأخوه يعقوب بن إبراهيم ويحيى بن معين، وذكره يومًا فترحم عليه وقال: قد ختم الله له بالشهادة. وكان لا يحدِّث ويقول: إني لست أهلًا لذلك، وأَحْسَنَ يحيى بن معين الثناء عليه جدًا، وذكره الإمام أحمد بن حنبل يومًا فقال: رحمه الله! ما كان أسخاه بنفسه لله، لقد جاد بنفسه له) (3) وانظر قصته كاملة في البداية والنهاية لابن كثير تتبين لك عدة أمور منها:

1)ثناء علماء الجرح والتعديل عليه حتى المتشددين منهم كيحيى ابن معين.

قال الذهبي في ميزان الاعتدال عند تقسيمه لعلماء الرجال: (قِسْمٌ متعنت في التوثيق، متثبت في التعديل، يغمز الراوي بالغلطتين والثلاث، ويُليِّن بذلك حديثه، فمثل هذا الجارح توثيقه معتبر، وعُضَّ على قوله بنواجذك، وتَمَسَّكْ بتوثيقه - إلى أن قال - ومن هذه الطبقة ... ابن معين) (4) . وقد أحسن ابن كثير أيضًا الثناء عليه حتى أنه ذكر بعض الكرامات.

2)أنهم كانوا يرون مشروعية البيعات الجزئية والعهود على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله تعالى.

3)أن علماء السلف كانوا يدافعون عن عقيدتهم باللسان والسنان عملًا بقوله تعالى: {إنما المؤمنون الذين ءامنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون} (5) .

(1) أحكام القرآن للجصاص2/ 49 - 50.

(2) وفي ذلك دليل على أن العمل السري المنظم كان جائزًا عندهم.

(3) انظر البداية والنهاية لابن كثير 7/ 313 - 317.

(4) علم الجرح والتعديل دراسة وتطبيق ص47.

(5) الحجرات: 15.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت