الصفحة 15 من 62

سادسًا: حدود السمع والطاعة لأولي الأمر

من المعلوم بداهة أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وأنه إنما تجب طاعة أولي الأمر إذا أمَروا بمقتضى العلم وتبعًا لطاعة الله ورسوله، قال الله تعالى: {يا أيها الذين ءامنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا} (1) .

قال ابن أبي العز الحنفي: (فتأمل قوله تعالى: {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} كيف قال: وأطيعوا الرسول، ولم يقل: وأطيعوا أولي الأمر منكم لأن أولي الأمر لا يُفردون بالطاعة، بل يطاعون فيما هو طاعة لله ورسوله وأعاد الفعل- أطيعوا - مع الرسول لأن من أطاع الرسول فقد أطاع الله، فإن الرسول لا يأمر بغير طاعة الله، بل هو معصوم في ذلك) (2) .

وقال النووي رحمه الله: (أجمع العلماء على وجوبها في غير معصية، وعلى تحريمها في المعصية، نَقَل الإجماعَ على هذا القاضي عياض وآخرون) (3) .

وقال شيخ الإسلام عن قتال التتار: (إن الطريقة الوسطى التي هي دين الإسلام المحض: جهاد من يستحق الجهاد - كهؤلاء القوم المسئول عنهم - مع كل أمير وطائفة هي أولى بالإسلام منهم، إذا لم يمكن جهادهم إلا كذلك، واجتناب إعانة الطائفة التي يغزو معها على شيء من معاصي الله، بل يطيعهم في طاعة الله ولا يطيعهم في معصية الله، إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. وهذه طريقة خيار هذه الأمة قديمًا وحديثًا، وهي واجبة على كل مكلف، وهي متوسطة بين طريقة الحرورية وأمثالهم ممن يسلك مسلك الورع الفاسد الناشيء عن قلة العلم، وبين طريقة المرجئة وأمثالهم ممن يسلك مسلك طاعة الأمراء مطلقًا وإن لم يكونوا أبرارًا) (4) .

وقال أيضًا: (قد يأمر الوالد والزوج بمباح فيطاع، وكذلك الأمير إذا أمر بما لا يعلم أنه معصية لله) (5) ؛ وإذا عرضت مسألة اجتهادية والخلاف فيها معتبر سائغ فالقول قول الأمير.

قال ابن أبي العز: (وقد دلت نصوص الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة، أن ولي الأمر، وإمام الصلاة، والحاكم، وأمير الحرب، وعامل الصدقة، يطاع في مواضع الاجتهاد، وليس عليه أن يطيع أتباعه في موارد الاجتهاد، بل عليهم طاعته في ذلك وترك رأيهم لرأيه، فإن مصلحة الجماعة والائتلاف، ومفسدة الفرقة والاختلاف، أعظم من أمر المسائل الجزئية) (6) وإن لم يُجعَل قول الأمير مرجِّحًا في مسائل الاجتهاد فلن يرتفع الخلاف.

ولذلك قال الجويني: (ولو لم يتعين اتباع الإمام في مسائل التحرى لما تأتَّى فصل الخصومات في المجتهَدات، ولاستمسك كل خصم بمذهبه ومطلبه، وبقي الخصمان في مجال خلاف الفقهاء مرتبكين في خصومات لا تنقطع) (7) .

(1) النساء: 59.

(2) شرح العقيدة الطحاوية ص381.

(3) مسلم بشرح النووي 12/ 222 - 223.

(4) مجموع الفتاوى28/ 508.

(5) مجموع الفتاوى 19/ 261، بلفظ: (إذا أمر عالمًا يعلم أنه معصية لله) والمعنى هكذا لا يستقيم فلعل العبارة كما أثبتناها أعلاه.

(6) شرح العقيدة الطحاوية ص376.

(7) غياث الأمم ص217.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت