الصفحة 36 من 62

ثم ذكر شيخ الإسلام شبهة ثالثة قد يتعلق بها من يقول بعدم انتقاض عهد الذمي بسب رسولنا عليه الصلاة والسلام فقال: (فإن قيل: فلم لم يقتلهم النبي صلى الله عليه وسلم(أي المنافقين) مع علمه بنفاق بعضهم وقبِل علانيتهم؟) ثم ذكر وجهين للجواب عن ذلك، الأول: (أنه عليه السلام لم يكن يقيم الحدود بعلمه حتى يثبت الموجب للحد ببينة أو إقرار، والثاني: أنه كان يخاف أن يتولد من قتلهم من الفساد أكثر مما في استبقائهم) إلى أن قال: (وهذان المعنيان حكمهما باق إلى يومنا هذا إلا في شئ واحد وهو أنه صلى الله عليه وسلم ربما خاف أن يظن الظان أنه يقتل أصحابه لغرض آخر مثل أغراض الملوك فهذا منتفٍ اليوم، والذي يبين حقيقة الجواب الثاني أن النبي صلى الله عليه وسلم لما كان بمكة مستضعفًا هو وأصحابه عاجزين عن الجهاد أمرهم الله بكف أيديهم والصبر على أذى المشركين) ثم ذكر الهجرة ودار العزة والمنعة والأمر بالجهاد إلى أن قال: (ولما نزلت براءة، أمره الله بنبذ العهود التي كانت للمشركين وقال فيها: {يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم} (التوبة 73) ، وهذه ناسخة لقوله تعالى: {ولا تطع الكافرين والمنافقين ودع أذاهم} وقد ذكر أهل العلم أن آية الأحزاب - أي دع أذاهم - منسوخة بهذه الآية ونحوها .. فحيث ما كان للمنافق ظهور وتُخاف من إقامة الحد عليه فتنة أكبر من بقائه عملنا بآية دع أذاهم، كما أنه حيث عجزنا عن جهاد الكفار عملنا بآية الكف عنهم والصفح وحيث ما حصل القوة والعز خوطبنا بقوله {جاهد الكفار والمنافقين} فهذا يبين أن الإمساك عن قتل من أظهر نفاقه بكتاب الله على عهد رسوله عليه الصلاة والسلام إذ لا نسخ بعده ولم ندع أن الحكم تغير بعده لتغير المصلحة من غير وحي نزل فإن هذا تصرف في الشريعة وتحويل لها بالرأي ودعوى أن الحكم المطلق كان لمعنى وقد زال وهو غير جائز كما قد نسبوا ذلك إلى من قال: إن حكم المؤلفة انقطع ولم يأت على انقطاعه بكتاب ولا سنة سوى ادعاء تغير المصلحة) أهـ، (د) أنه قال مصرحًا بالقول بالنسخ: (فلما أنزل الله تعالى براءة ونهاه عن الصلاة على المنافقين، والقيام على قبورهم، وأمره أن يجاهد الكفار والمنافقين، ويغلظ عليهم، نسخ جميع ما كان المنافقون يعاملون به من العفو، كما نسخ ما كان الكفار يعاملون به من الكف عمن سالم، ولم يبق إلا إقامة الحدود وإعلاء كلمة الله في حق كل إنسان) .

وهذه هي المواطن التي تعرض فيها شيخ الإسلام لموضوع نسخ كف الأيدي نقلناها كلها رغم طولها ليؤلف بين أطرافها المنصف المتجرد ويخلص إلى القول بأن شيخ الإسلام يقول بالنسخ، وأن قوله (فليعمل بآية الصبر) هو للإباحة عند العجز لا الوجوب، وأنه لا يجيز رفع حكم شرعي ثابت بدون نص شرعي، إذ لانسخ بعد النبي صلى الله عليه وسلم، ومن فعل ذلك تحت دعوى المصلحة فإنما هو معطل للنصوص المحكمة، وإنما يجوز ترك العمل بآية القتال للعاجز، وإننا نرى أنه إذا اطمأن مسلم إلى القول بعدم النسخ - اتباعًا للأدلة الراجحة في نظره أو تقليدًا سائغًا لمن وثق بعلمه وورعه لا خلودًا إلى الراحة وخداعًا من النفس الأمارة بالسوء - فإنه يسوغ له العمل بذلك لكن لا يسوغ له الإنكار على من سعى إلى تحقيق وعد الله عز وجل ببقاء الطائفة المنصورة، وبمضي الجهاد إلى يوم القيامة، وبالتمكين لأولياء الله في الأرض، والله المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت