ثانيًا: الجانب الشرعي التربوي
ذكرنا أن التربية والتزكية وتقوية الإيمان لها أثر إيجابي في النصر فقد قال تعالى: {ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين} (1) ، (فللعبد من العلو بحسب ما معه من الإيمان، وقال تعالى: {ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين} (2) ، فله من العزة بحسب ما معه من الإيمان وحقائقه، فإذا فاته حظ من العلو والعزة ففي مقابلة ما فاته من حقائق الإيمان علمًا وعملًا، ظاهرًا وباطنًا وكذلك الدفع عن العبد هو بحسب إيمانه، قال تعالى: {إن الله يدافع عن الذين ءامنوا} فإذا ضعف الدفع عنه فهو من نقص إيمانه) (3) ، ولذلك فعلى المجاهد أن يعلم أن الجهاد أنواع فكما أنه مأمور بقتال الكفار والمرتدين فهو مأمور بمجاهدة نفسه وهواه وشيطانه سواء بسواء، وأن الله أمر بهذا كما أمر بذلك، فترك أحدهما يشبه ما عاب الله به اليهود في قوله: {أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض} (4) .
والمجاهد في سبيل الله يختلف عن كافة المناضلين والمكافحين أصحاب الأحزاب الأرضية والمذاهب الردية، فهو يعرف: لِمَ يقاتل؟ ومتى يقاتل؟ وهو صاحب عقيدة ويعلم ويوقن أن الجهاد ماض إلى يوم القيامة، وأنه طالما أن هناك إيمانًا وكفرًا فإن هناك جهادًا، وأن أعداء الله ورسوله لا يكفُّهم إلا السيف، وأن الحق لابد له من قوة تحميه، وأن قوام هذا الدين بكتاب يهدي وسيف ينصر، وأن هذا الصراع قديم منذ أن خلق الله آدم وبدأت العداوة من جانب إبليس وجنده نحو حزب الله من أتْباع الأنبياء، وكما قلنا في الإعداد العسكري نقول في الإعداد التربوي: إنه لا يجوز جعله خارمًا لأصل الجهاد ومدعاة للقعود عنه، بل يتم الإعداد التربوي في ساحات الجهاد.
وقد ذكر الشاطبي رحمه الله الجهاد واعتبار العدالة فيه كمثال على القاعدة السابقة فقال: (الجهاد ضروري، والوالي فيه ضروري، والعدالة فيه مكملة للضرورة، والمكمِّل إذا عاد للأصل بالإبطال لم يعتبر، ولذلك جاء الأمر بالجهاد مع ولاة الجَوْر عن النبي صلى الله عليه وسلم) (5) ، وعندما فرض الله الجهاد لم يعذر في تركه إلا المريض أو الأعرج أو الأعمى أو عادم النفقة أو الضعيف ونحوه.
(1) آل عمران: 139.
(2) المنافقون: 8.
(3) إغاثة اللهفان 2/ 262.
(4) البقرة: 85.
(5) الموافقات 2/ 12.