سادسًا: موقفنا من الخلاف
وهذا الأمر مهم جدًا بالنسبة للمسلم، فالمسائل الاجتهادية كثيرة جدًا، ويجب على المسلم أن يعلمَ على أي أساس يتم انتقاء الأقوال الفقهية ويعلمَ كذلك موقفه من المخالف.
أولا: ينبغي على المسلم أن يعلم أن الخلاف نوعان: خلاف سائغ معتبر، وآخر غير معتبر، فالأول ما تكافأت فيه الأدلة أو كان لكل قول من أقوال المختلفين حظ من النظر، كأن يذهب القائل إلى معنى يحتمله الخبر أو القياس وهو ما يطلق عليه المسائل الاجتهادية؛ ولا إنكار فيها على من فعلها مجتهدًا أو مقلدًا تقليدًا سائغًا.
أما الخلاف غير المعتبر فهو ما كان ضعيفًا بسبب خفاء الدليل أو عدم بلوغه للمجتهد، ويشرع فيها الإنكار ولكن لا يخرج فاعلها من العدالة إذا فعلها مجتهدًا أو مقلدًا تقليدًا سائغًا.
قال ابن رجب الحنبلي: (والمنكر الذي يجب إنكاره ما كان مجمعًا عليه، أما المختلف فيه فمن أصحابنا من قال: لا يجب إنكاره على من فعله مجتهدًا أو مقلدًا لمجتهد تقليدًا سائغًا، واستثنى القاضي(1) ، في الأحكام السلطانية ما ضعف فيه الخلاف. وكان ذريعة إلى محظور متفق عليه كربا النقد فالخلاف فيه ضعيف وهو ذريعة إلى ربا النساء المتفق على تحريمه، وكنكاح المتعة فإنه ذريعة إلى الزنا) (والمنصوص عن أحمد الإنكار على اللاعب بالشطرنج، وتأوله القاضي على من لعب بها بغير اجتهاد أو تقليد سائغ وفيه نظر، فإن المنصوص عنه أنه يُحَدُّ شارب النبيذ المختلف فيه، وإقامة الحد أبلغ مراتب الإنكار مع أنه لا يفسق عنده بذلك، فدل على أنه ينكر كل مختلف فيه ضعف الخلاف فيه لدلالة السنة على تحريمه، ولا يخرج فاعله المتأول من العدالة بذلك والله أعلم، وكذلك نص أحمد على الإنكار على من لا يتم صلاته ولا يقيم صلبه من الركوع والسجود مع وجود الاختلاف في وجوب ذلك) (2) ، ولا يستغرب الإنكار مع عدم التفسيق، فالصبي ينكر عليه إذا ارتكب منكرًا مع أنه غير مكلف والله أعلم.
وقال البهوتي الحنبلي في باب شروط من تقبل شهادته: (فأما من أتى شيئا من الفروع المختلف فيها بين الأئمة اختلافًا شائعًا .. كمن تزوج بلا ولي أو بلا شهود أو شرب من النبيذ مالا يسكره، أو أخَّر زكاة أو حجًا مع إمكانهما ونحوه من مسائل الخلاف متأولًا له .. أو مقلدًا لمن يرى حله لم تُرد شهادته لأن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يختلفون في الفروع وقبلوا شهادة كل مخالف لهم فيها، ولأنه اجتهاد سائغ فلا يفسق به المخالف كالمتفق عليه) (3) ، وعدم التفسيق مشروط بعدم تتبع الرخص كما سبق.
ثانيًا: المسلم إذا اختلف عليه المفتيان فعليه الترجيح، فإن كان متبعًا يمكنه النظر في أدلة القولين رجح حسب قوة الأدلة وجوبًا. وإن كان مقلدًا لا يفهم الأدلة رجح بين المفتيين بالأعلمية والأفضلية فيأخذ بقول الأعلم والأورع استحبابًا وهذا ما رجحه الشيخ محمد الصالح العثيمين (4) ، وبه قال الخطيب البغدادي (5) ، والله تعالى أعلم.
(1) القاضي هو أبو يعلى الحنبلي.
(2) جامع العلوم والحكم 2/ 254 - 255.
(3) الإقناع مع كشاف القناع 6/ 422.
(4) انظر رسالة الخلاف بين العلماء أسبابه وموقفنا منه للشيخ العثيمين ص32، لكن قال ابن القيم في إعلام الموقعين 3/ 483: هل يلزم المستفتي أن يجتهد في أعيان المفتين ويسأل الأعلم والأدين أم لا يلزمه ذلك؟ فيه مذهبان .. والصحيح أنه يلزمه لأنه المستطاع من تقوى الله المأمور بها كل أحد. اهـ وهذا هو الراجح والأحوط سدًا لذريعة اتباع الهوى والله أعلم.
(5) انظر الفقيه والمتفقه 2/ 204.