خامسًا: ضرورة فهم الواقع
لا ريب أن الله سبحانه وتعالى شرع لنا هذا الدين ليكون نورًا نمشي به في الناس، ولنعمل به في أنفسنا، ولنحمله إلى غيرنا دعوة وجهادًا وأمرًا بالمعروف ونهيًا عن المنكر. ومن تصدى لنشر دين الله وإقامته في الدنيا فلابد له من فهم هذا الدين أولًا، وفهم الواقع الذي يريد إصلاحه على مقتضى هذا الدين ثانيًا، وكثير من الالتباس الحاصل في ساحة العمل الإسلامي يرجع إلى تخلف أحد الفهمين.
قال ابن القيم رحمه الله: (ولا يتمكن المفتي ولا الحاكم من الفتوى ولا الحكم بالحق إلا بنوعين من الفهم، أحدهما: فَهْمُ الواقع والفقه فيه واستنباط عِلْمِ حقيقة ما وقع بالقرائن والأمارات والعلامات حتى يحيط به علمًا، والنوع الثاني: فَهْمُ الواجب في الواقع وهو فهم حكم الله الذي حكم به في كتابه أو على لسان رسوله في هذا الواقع، ثم يطبق أحدهما على الآخر) (1) .
وعندما سئل شيخ الإسلام عن قتال التتار قال: (نعم. يجب قتال هؤلاء بكتاب الله وسنة رسوله واتفاق أئمة المسلمين، وهذا مبني على أصلين: أحدهما المعرفة بحالهم، والثاني معرفة حكم الله في مثلهم) (2) .
وهذا الأمر - أي معرفة الواقع - هو ما يعرف عند أهل الأصول بتحقيق المناط.
وفيه يقول الشاطبي: (لا يصح للعالم إذا سئل عن أمرٍ كيف يحصل في الواقع إلا أن يجيب بحسب الواقع، فإن أجاب على غير ذلك أخطأ في عدم اعتبار المناط المسئول عن حكمه، لأنه سئل عن مناط معين فأجاب عن مناط غير معين) (3) ، وفي موضع آخر يضرب مثلًا يوضح فيه كيف يحقَّقُ المناط فيقول: (الشرائع إنما جاءت لِتَحْكُمَ على الفاعلين من جهة ماهم فاعلون، فإذا شرع المكلف في تناول خمر مثلًا قيل له: أهذا خمر أم لا؟ فلابد من النظر في كونه خمرًا أو غير خمر، وهو معنى تحقيق المناط) (4) .
(1) إعلام الموقعين 1/ 71.
(2) مجموع الفتاوى 28/ 510.
(3) الموافقات 3/ 62.
(4) الموافقات 3/ 31 - 32.