الصفحة 44 من 62

فهذا رسولنا صلى الله عليه وسلم جعله الله رحمة للعالمين، وحجة على العباد أجمعين، منذ أن فرض الله الجهاد أصبحت حياته كلها جهادًا في سبيل الله، يرجع من أُحدٍ متعبًا مكدودًا وأصحابه قد أثقلتهم الجراح، وإذا به يستنفرهم من غده إلى حمراء الأسد، حتى أنزل الله فيهم قوله: {الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم} (27) ، يرجع من غزوة الأحزاب يريد أن يضع ثيابه ويستريح فيأتيه جبريل قائلًا: أوضعت السلاح؟ إن الملائكة لم تضع السلاح بعد، فيسأله: إلى أين؟ فيشير إلى بني قريظة. ويقول لأصحابه: (لا يصليّن أحدٌ العصرَ إلا في بني قريظة) (28) ، يعقد صلحًا مع قريش لا ليقف القتال، بل ليتوجه لفتح خيبر؛ وفي أيامه الأخيرة كان من وصاياه: (أخرجوا اليهود والنصارى من جزيرة العرب) (29) . إن الرسول صلى الله عليه وسلم رحيم بأمته، ويشق عليه ما يشق عليها، وصفه ربه بقوله: {لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم} (30) ، وكان: (ما خُيّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا) (31) ، فلو كانت هناك مندوحة عن الجهاد لما اختار الأشق ولما كلف أصحابه كل هذه التضحيات، وفي هذا أوضح دليل على تَعَيُّنِ طريق الجهاد وأنَّ تَرْكَه إثم ومعصية، وبذلك وضع الرسول صلى الله عليه وسلم معلمًا من معالم التأسي والاقتداء، وهو المقصود الأول من قوله تعالى: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا} (32) .

ومن العجب أن يغفل كثير من المسلمين عن سبب نزول هذه الآية ويقصرون معناها على بعض مقاصدها، إذ أن هذه الآية نزلت في سياق غزوة الأحزاب عندما اُبتلي المؤمنون وزُلزلوا زلزالًا شديدًا وتكلم المنافقون ببعض ما في قلوبهم فأرشد الله الجميع إلى الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم في الصبر والثبات والرباط وعدم الانهيار أمام الأحداث الجسام، ونحن لا ننكر الاستدلال بهذه الآية على التأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم في سائر هديه كصلاته وحجّه وعبادته، لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ولذلك كان ابن عمر يستدل بهذه الآية على التأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم في بعض صلواته ولكن الخلل هو أن نُغفِل سبب النزول الذي يدخل في معنى الآية دخولًا أوليًا، ولذلك قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: (هذه الآية أصل كبير في التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم في أقواله وأفعاله وأحواله، لهذا أمر تبارك وتعالى الناس بالتأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب في صبره ومصابرته ومرابطته ومجاهدته وانتظاره الفرج من ربه عز وجل صلوات الله وسلامه عليه دائمًا إلى يوم الدين، ولهذا قال تعالى للذين تقلّقوا وتضجروا وتزلزلوا واضطربوا في أمرهم يوم الأحزاب: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ... } أي هلا اقتديتم به وتأسيتم بشمائله صلى الله عليه وسلم؟) (33) .

وقال السيوطي: (أسوة حسنة: اقتداء به في القتال والثبات في مواطنه) (34) .

وقال شيخ الإسلام عن هذه الآية: (فأخبر سبحانه أن الذين يُبْتَلَون بالعدو كما ابتُلي رسول الله صلى الله عليه وسلم فلهم فيه أسوة حسنة حيث أصابهم مثل ما أصابه، فليتأسوا به في التوكل والصبر) (35) .

وهذا أبوبكر الصديق رضى الله عنه خير هذه الأمة بعد نبيها وثاني اثنين إذ هما في الغار، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (اقتدوا باللذَيْنِ من بعدي أبي بكر وعمر) (36) .

وقال: (لو كنت متخذًا من الناس خليلا لاتخذت أبا بكر خليلًا ولكنْ خُلةُ الإسلام أفضل، سُدُّوا كل خوخة في هذا المسجد غير خوخة أبي بكر) (37) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت