الصفحة 45 من 62

عندما كفر من كفر من العرب بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم عزم أبو بكر رضي الله عنه على قتال المرتدين ومانعي الزكاة ورغم أنه لقى معارضة من سائر الصحابة أول الأمر إلا أن الله ألهمه الإصرار على ما رآه حتى قال عمر: (فو الله ما هو إلا أن رأيت أن الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق) (38) ، رغم أن قتال المرتدين كلَّف الصحابة تضحيات كثيرة، فقد استحرَّ القتل يوم اليمامة وقُتل كثير من القراء حتى خاف عمر وأبو بكر رضي الله عنهما من ضياع القرآن فأمرا زيد ابن ثابت بكتابته. ورغم هذه التضحيات الكبيرة وذهاب القراء الذين يمثلون الدعاة والعلماء إلا أن أبا بكر لم ينكل عن القتال.

وفي ذلك يقول الشاطبي رحمه الله: (إن أبا بكر رضي الله عنه لم يلتفت إلى ما يلقى هو والمسلمون في طريق طلب الزكاة من مانعيها من المشقة، إذ لمّا امتنعوا صار مظنة للقتال وهلاك من شاء الله من الفرقتين ودخول المشقة على المسلمين في الأنفس و الأموال والأولاد، ولكنه رضي الله عنه لم يعتبر إلا إقامة الملة على حسب ما كانت قبلُ، فكان ذلك أصلًا في أنه لا يعتبر العوارض الطارئة في إقامة الدين وشعائر الإسلام، نظير ما قال الله تعالى: {إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله} الآية، فإن الله لم يعذرهم في ترك منع المشركين خوف العيلة، فكذلك لم يَعُدَّ أبو بكر ما يلقى المسلمون من المشقة عذرًا يترك به المطالبة بإقامة شعائر الدين حسبما كانت في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وجاء في القصة أن الصحابة أشاروا عليه برد البعث الذي بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أسامة بن زيد. ولم يكونوا بعدُ مضوا لوجهتهم ليكونوا معه عونًا على قتال أهل الردة، فأبى من ذلك وقال: ما كنت لأرد بعثا أنفذه رسول الله صلى الله عليه وسلم) (39) ، وهذا الكلام القيم من الشاطبي رحمه الله يدل على رسوخ قدمه وسعة إطلاعه على مقاصد الشريعة، فمن المعلوم أن الشريعة بل كل الشرائع جاءت لحفظ الضروريات الخمس وهي: الدين والنفس والعرض والمال والعقل، فالجهاد وحدُّ الردة شُرِعَا لحفظ الدين، والقصاص شُرع لحفظ النفس، وحد الزنا شُرع لحفظ العرض، وحد السرقة شُرع لحفظ المال، وحد الخمر شُرع لحفظ العقل.

ولكن إذا تعارض حفظ النفس مع حفظ الدين قدمنا أهمهما وأغلاهما، ولذلك يتلف المسلم نفسه في الجهاد لحفظ دينه، وعلى هذا الأصل ينبني كلام الشاطبي رحمه الله.

قال ابن تيمية: (وذلك أن الله تعالى أباح من قتل النفوس ما يحتاج إليه في صلاح الخلق كما قال الله تعالى {والفتنة أكبر من القتل} أي أن القتل وإن كان فيه شر وفساد، ففي فتنة الكفار من الشر والفساد ما هو أكبر منه) (40) .

ونحن نتوجه إلى الناهين عن الجهاد بدعوى الحفاظ على أرواح المسلمين: أأنتم أعلم أم الله؟ أأنتم أرحم أم رسول الله؟ أأنتم أتبع للحق أم صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ أم أن الدين هان ورخص في نفوسكم حتى قدمتم حفظ أرواحكم على حفظ دينكم؟ أمَّا نحن فنقول ونسأل الله أن يثبتنا على ذلك حتى نلقاه: إذا تعارض حفظ أرواحنا مع حفظ ديننا فلتذهب أرواحنا ليبقى ديننا اتباعًا لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، واقتداءً بصحابته رضى الله عنهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت