الصفحة 46 من 62

أم تُراهم ينهون عن الجهاد خوفًا على الرزق أو خوفًا من الحصار الاقتصادي؟ فنقول لهم: {وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء إن الله عليم حكيم} (41) ونقول لهم: إن الحصار الاقتصادي تهديد قديم لحزب الله المفلحين، قال تعالى عن المنافقين: {هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا ولله خزائن السماوات والأرض ولكن المنافقين لا يفقهون} (42) .

إن المسلمين اليوم يتعرضون لإبادة شاملة، ولا نعنى الإبادة الجسدية فقط، بل إبادة المبادئ والعقائد، وجر الناس إلى الكفر، والعمل على سلخهم من دينهم وقيمهم.

إن جهادنا اليوم ليس جهاد طلب حتى نوازن فيه بين المصالح والمفاسد، فإذا أخافتنا جسامة التضحيات وضخامة التكاليف فررنا منها بذريعة أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، وبالتالي لا جهاد حتى نصل إلى مستوى أعدائنا في القوة، فهذا تعطيل للنصوص المحكمة الآمرة بالجهاد.

إن جهادنا اليوم جهاد دفع أولًا من أجل حفظ الدين، دين شعوبنا التي تُحكم بقوانين الكفر، وتُرَبَّى على غير الإسلام، ولا مفسدة أعظم من ذلك. فمهما بلغت المفاسد الناتجة عن المواجهة المسلحة لهذه الأوضاع الشاذة، فإنها لن تبلغ مفسدة هذه الأوضاع، وقد بيَّن الجويني رحمه الله ذلك في كتابه (غياث الأمم) ونحن ننقل كلامه على طوله.

قال رحمه الله: (أما ما يسوغ استقلال الناس فيه بأنفسهم ولكن الأدب يقتضي فيه مطالعة ذوي الأمر، ومراجعة مرموق العصر، كعقد الجمع، وجرِّ العساكر إلى الجهاد واستيفاء القصاص في النفس والطرف، فيتولاه الناس عند خلو الدهر ولو سعى عند شغور الزمان طوائف من ذوي النجدة والبأس في نقض الطرق عن السعاة في الأرض بالفساد، فهو من أهم أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإنما يُنهَى آحاد الناس عن شهر الأسلحة استبدادًا إذا كان في الزمان وزر قوّام على أهل الإسلام، فإذا خلا الزمان عن السلطان وجب البدار على حسب الإمكان إلى درء البوائق عن أهل الإيمان؛ ونَهْيُنا الرعايا عن الاستقلال بالأنفس من قبيل الاستحثاث على ما هو الأقرب إلى الصلاح، والأدنى إلى النجاح، فإن ما يتولاه السلطان من أمور السياسة أوقع وأنجح وأدفع للتنافس وأجمع لشتات الرأي. وفي تمليك الرعايا أمور الدماء وشهر الأسلحة وجوه من الخبل لا ينكرها ذو عقل، وإذا لم يصادف الناس قوامًا بأمورهم يلوذون به فيستحيل أن يُؤمروا بالقعود عما يقدرون عليه من دفع الفساد، فإنهم لو تقاعدوا عن الممكن عمَّ الفساد البلاد والعباد، وإذا أمروا بالتقاعد في قيام السلطان، كفاهم ذو الأمر المهمات، وأتاها على أقرب الجهات .. وقد قال بعض العلماء: لو خلا الزمان عن السلطان، فحق على قطان كل بلدة، وسكان كل قرية، أن يقدموا من ذوي الأحلام والنهى، وذوي العقول والحجا، من يلتزمون امتثال إشاراته وأوامره، وينتهون عن مناهيه ومزاجره، فإنهم لو لم يفعلوا ذلك ترددوا عند إلمام المهمات، وتبلدوا عند إظلال الواقعات) (43) .

ثالثًا: واتخذنا الجهاد طريقًا لأنه الممحص والمبرز للقيادات والمواهب والمبيّن لأقدار الرجال.

إن من أهم ما تفتقده الأمة هو القيادة الصادقة، وهذه يفرزها الجهاد. قال تعالى: {ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلوا أخباركم} (44) .

وقال الله تعالى: {أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة والله خبير بما تعملون} (45) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت