الصفحة 51 من 62

ونريد أن نبيَّن في هذا المبحث أن عقد الإسلام لا يثبت لمن رفض أن يحكم بما أنزل الله واستبدل به غيره ولو صلى وصام وزعم أنه مسلم، وأنه يجب خلعه وقتاله وتنصيب رجل مسلم مكانه؛ ذلك أن الخضوع للشريعة ظاهرًا يتعلق بأحد ركني الإيمان القلبي، ألا وهو الانقياد، فأهل السنة والجماعة يشترطون لحصول الإيمان التصديق والانقياد، خلافًا للمرجئة الذين يكتفون بالتصديق، وإنّ رفض مبدأ الخضوع للشريعة ورفض الالتزام المجمل بها يدل دلالة قاطعة على انتفاء الانقياد والمحبة القلبية، فإن انضم إلى عدم تحكيم الشريعة الاستهزاء بها، أو التصريح بجمودها وعدم ملاءمتها للعصر الحاضر، أو إنكار معلوم من الدين بالضرورة كان ذلك زيادة في الكفر (10) .

قال ابن القيم رحمه الله: (وإذا زال عمل القلب مع اعتقاد الصدق فهذا موضع المعركة بين المرجئة وأهل السنة، فأهل السنة مجمعون على زوال الإيمان وأنه لا ينفع التصديق مع انتفاء عمل القلب، وهو محبته وانقياده، كما لم ينفع إبليسَ وفرعونَ وقومَه واليهودَ والمشركين والذين كانوا يعتقدون صدق الرسول، بل ويُقِرُّون به سرًا وجهرا ً، ويقولون ليس بكاذب ولكن لا نتبعه ولا نؤمن به) (11) .

وقال شيخ الإسلام: (ومعلوم أن الإيمان هو الإقرار لا مجرد التصديق، والإقرار ضُمِّنَ قولَ القلب الذي هو التصديق، وعملَ القلبِ الذي هو الانقياد، تصديق الرسول فيما أخبر، والانقياد له فيما أمر، كما أن الإقرار بالله هو الاعتراف به والعبادة له - إلى أن قال - والكفر هو عدم الإيمان سواء كان معه تكذيب أو استكبار أو إباء أو إعراض، فمن لم يحصل في قلبه التصديق والانقياد فهو كافر) (12) .

وها هي الأدلة على كفر من أعرض عن الحكم بما أنزل الله أولًا، وعلى وجوب قتاله ثانيًا ...

(1) الكهف: 51.

(2) سبأ: 22.

(3) النساء: 166.

(4) الملك: 14.

(5) البقرة: 138.

(6) الأعراف: 54.

(7) هود: 87.

(8) الأنفال: 39.

(9) مجموع الفتاوى 28/ 469.

(10) قال الدكتور سفر الحوالي معلقًا على قول شيخ الإسلام (فهؤلاء الذين اتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون أنه لا خلاق لهم في الآخرة ومع هذا يكفرون) قال:(فلو قدرنا أن من يحكمون بالقوانين الوضعية لم يزيدوا على هؤلاء شيئًا بل غاية فعلهم أنهم تركوا العمل بكتاب الله واتبعوا ما تقرره شياطين التشريع في الشرق والغرب وحذروا الناس من التحاكم إلى هذه القوانين وبينوا لهم أنها كفر واعتقدوا أن مصيرهم إلى النار إن فعلوا ذلك لكنهم ظلوا يشرعونها ويحكمون بها فهل يكون حكمهم شيئًا سوى الكفر؟!!

فكيف وهؤلاء كما يعلم الناس بالتواتر لا يحذرون من قوانينهم بل ولا يقولون إن أصحابها من أهل النار ولا أن الشريعة أفضل منها - مجرد قول مع أنه غير نافع - بل يفخرون بإصدارها ويجعلون ذلك عيدًا وشبه عيد ويحاربون من دعاهم إلى تحكيم الشرع أيما محاربة ويقولون بأنفسهم أو بأبواقهم إن الشريعة قاصرة عن ملاءمة الحياة وأن أحكامها لا تصلح لهذا العصر ويقولون إن تحكيم هذه القوانين يحقق المصلحة الوطنية والخير والتقدم وحسن العاقبة ... .إلخ ما يتردد على ألسنة الزعماء وأعضاء المجالس التشريعية والصحفيين وسائر وسائل الإعلام؟!!

فكيف يقال مع هذا إن هؤلاء لا يكفرون إلا إذا كذبوا أو جحدوا الوجوب أو استحلوا، أو فضَّلوا أو ساووا ... ونحو ذلك من العبارات التي تدل على شئ واحد وهو أن يضموا إلى هذا النوع من الكفر نوعًا آخر منه)ظاهرة الإرجاء في الفكر الإسلامي ص717 - 718.

(11) كتاب الصلاة لابن القيم ص 54.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت