قال تعالى: {أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه} (10) ، ولذلك أخَّر الصحابة رضي الله عنهم دفن النبي صلى الله عليه وسلم من أجل التعجيل بنصب خليفة للمسلمين، يحمي الحوزة ويحفظ الملة، وقد أجمع المسلمون على وجوب نصب الخليفة.
قال إمام الحرمين الجو يني رحمه الله: (فنصب الإمام عند الإمكان واجب) (11) ، وردَّ على الأصم الذي قال بعدم الوجوب بأنه (مسبوق بإجماع من أشرقت عليه الشمس شارقة وغاربة، واتفاق مذاهب العلماء قاطبة) (12) .
لكن هذا الواجب ليس بالأمر الهين، ولابد للعاملين له أن يكونوا له أهلا ...
لابد لهم أولًا: من عزيمة قوية وهمة صادقة، يحدوها الأمل في الله، والثقة بوعده للمؤمنين بالنصر في الدنيا ويوم يقوم الأشهاد، فيصممون على مواصلة السير في دروب الجهاد، ولو تخلى عنهم القريب والبعيد، وتنكر لهم الخل والصديق.
ولابد لهم ثانيًا: من آصرة قوية ورابطة متينة، تستعصي على أسباب العداوة والبغضاء، يحدوها حسن الخلق، وإحسان الظن، وإقالة العثرات، والتناصح في الله.
ولابد لهم ثالثًا: من علم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ينير لهم الطريق، ويلحقهم بركب المهتدين، وجماعة الراشدين.
وإرضاءً للّه تعالى، وقيامًا بهذا الفرض الرباني، ونكاية في أعداء الله، قامت:"الجماعة الإسلامية المقاتلة"، وهي جماعة مسلمة تعد العدة لجهاد أعداء الله تعالى، وعلى رأسهم الطواغيت الحاكمون بغير ما أنزل الله حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله.
ولما اختلطت المفاهيم، واختلفت المشارب، والتبس الحق بالباطل، لم يعد يكفي للبيان مجرد الانتساب المجمل إلى الإسلام، لأن الكل يدعيه، فكان لابد من البيان التفصيلي، وهذا الاختلاط هو الذي جعل علماء السلف ممن صنف في التوحيد يتوسعون في ذكر أمور ليتميزوا بها عن غيرهم، فيقولون مثلًا: (ونرى المسح على الخفين) (ولا نرى الخروج على أئمتنا .. ) (ولا نقول لا يضر مع الإيمان ذنب) وغيرها، فكذلك اختلاط المفاهيم اليوم في ساحة العمل الإسلامي سواء بسواء.
هذه هويتنا إجمالًا، ونبينها تفصيلًا من خلال المباحث الآتية:
الأول: العمل الجماعي.
الثاني: كيف نفهم الإسلام؟
الثالث: الإعداد.
الرابع: لماذا الجهاد؟
الخامس: الحكام العلمانيون.
(1) النساء: 1.
(2) آل عمران: 102.
(3) الأحزاب 70 - 71.
(4) رواه مسلم في كتاب الإيمان - باب بيان أن الإسلام بدأ غريبًا وسيعود غريبًا وأنه يأرز بين المسجدين، عن أبي هريرة وعن ابن عمر. والترمذي في كتاب الإيمان - باب ما جاء أن الإسلام بدأ غريبًا وسيعود غريبًا والدارمي في كتاب الرقائق - باب الإسلام بدأ غريبا عن ابن مسعود. وابن ماجه في كتاب الفتن -باب بدأ الإسلام غريبًا عن أبي هريرة وعن أنس. ورواه أحمد في المسند عن سعد بن أبي وقاص بلفظ الإيمان: 1604 وعن ابن مسعود: 3784وعن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة بلفظ الدين: 9042 وعن عبد الرحمن بن سنَّة: 16736.
(5) عن حذيفة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها، ثم تكون ملكًا عاضًا، فيكون ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكًا جبريا، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، ثم سكت) رواه أحمد في المسند: 18430. وإسناده حسن. حبيب بن سالم وثقه أبو حاتم وقال البخاري: فيه نظر وقال ابن حجر: لا بأس به. وداود بن إبراهيم وثقه الطيالسي وابن حبان.