ثانيًا: الأدلة على وجوب قتال الحاكم بغير ما أنزل الله
ووجوب جهادهم مأخوذ من كتاب الله، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وإجماع سلف الأمة.
فأما الكتاب؛ فقوله تعالى: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله} (1) .
قال شيخ الإسلام: (فإذا كان بعض الدين لله وبعضه لغير الله، وجب قتالهم حتى يكون الدين كله لله) (2) .
وأما السنة: ففي الصحيحين (3) من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال (بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في العسر واليسر، والمنشط والمكره، وعلى أثرة علينا، وألا ننازع الأمر أهله، قال: إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم فيه من الله برهان) .
وأما الإجماع؛ فقال ابن حجر رحمه الله عن الحاكم: (وملخصه أنه ينعزل بالكفر إجماعًا، فيجب على كل مسلم القيام في ذلك، فمن قوي على ذلك فله الثواب ومن داهن فعليه الإثم، ومن عجز وجبت عليه الهجرة من تلك الأرض) (4) .
وقال ابن بطال: (أجمع الفقهاء على وجوب طاعة السلطان المتغلب والجهاد معه، وأن طاعته خير من الخروج عليه، لما في ذلك من حقن الدماء، وتسكين الدهماء وحجتهم هذا الخبر وغيره مما يساعده، ولم يستثنوا من ذلك إلا إذا وقع من السلطان الكفر الصريح، فلا تجوز طاعته في ذلك، بل تجب مجاهدته لمن قدر عليها) (5) .
وقال شيخ الإسلام: (اتفق علماء المسلمين على أن الطائفة الممتنعة إذا امتنعت عن بعض واجبات الإسلام الظاهرة المتواترة فإنه يجب قتالها) (6) .
وقال الشوكاني عن الذين يتحاكمون إلى الأحكام الطاغوتية: (ولا شك ولا ريب أن هذا كفر بالله سبحانه وتعالى وشريعته التي أمر بها على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، بل كفروا بجميع الشرائع من عند آدم عليه السلام إلى الآن، وهؤلاء جهادهم واجب وقتالهم متعين، حتى يقبلوا أحكام الإسلام ويذعنوا لها، ويحكموا بينهم بالشريعة المطهرة، ويخرجوا من جميع ما هم فيه من الطواغيت الشيطانية) (7) .
وقال الشيخ ولي الله الدهلوي: (ثم إن استولى من لم يجمع الشروط لا ينبغي أن يبادر إلى المخالفة، لأن خلعه لا يتصور غالبًا إلا بحروب ومضايقات وفيها من المفسدة أشد مما يرجى من المصلحة ... وبالجملة فإذا كفر الخليفة بإنكار ضروري من ضروريات الدين حل قتاله بل وجب، وإلا لا، وذلك لأنه حينئذ فاتت مصلحة نصبه، بل يخاف مفسدته على القوم، فصار قتاله من الجهاد في سبيل الله) (8) .
ومن هذا الحشد من الأدلة وكلام أهل العلم قديمًا وحديثًا يتبين:
أولًا: حقيقة واقعنا السياسي الذي نعيشه ووصفه الشرعي.
ثانيًا: الواجب وحكم الله ورسوله في هذا الواقع، وهذا الأمر واضح في أصله لولا الجهود التي يبذلها أعداء هذا الدين لتجهيل المسلمين بواقعهم، وبالتالي قعودهم عن الواجب في هذا الواقع.
(1) الأنفال: 39.
(2) مجموع الفتاوى 28/ 469.
(3) أخرجه البخاري في كتاب الفتن - باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: سترون بعدي أمورًا تنكرونها، ومسلم في كتاب الإمارة - باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية وتحريمها في المعصية. وأخرجه أحمد بهذا اللفظ: 22731، وأخرجه بلفظ: (ولا تنازع الأمر أهله وإن رأيت أن لك، ما لم يأمروك بإثم بواحًا) : 22789. والبيهقي في سننه الكبرى - كتاب قتال أهل البغي - باب كيفية البيعة.
(4) فتح البارى 13/ 123.
(5) فتح البارى 13/ 7.
(6) مجموع الفتاوى 28/ 540.
(7) الدواء العاجل لدفع العدو الصائل ص34.
(8) حجة الله البالغة 2/ 399.