الصفحة 10 من 54

لم يكن انكار وجود الله هو الخطأ الشائع في الأقوام التي جاءتها الرسل، ولكنه الخلل في الاعتقاد والعبادة، والخلل في عدم جعل الحاكمية لله عزو جل، ومن ثم كانت دعوة الرسل عليهم الصلات والسلام لتعبيد الناس لربهم، وللتسليم بأن الحاكمية لله في جميع شؤونهم.

الإرادة الكونية تتوافق مع الإرادة الشرعية في النظام الإسلامي:

خلق الكون والسيطرة على حركة الكواكب، وحالة الصحة والمرض، والموت والحياة كلها أمور تتم بإرادة الله، وتسمى إرادة كونية، وهي إرادة لا راد لها ولا سلطان عليها إلا لله عز وجل، والذي خلق الكون وسيره بإرادتهم الكونية هو الذي أنزل التشريعات المختلفة المنظمة لعلاقة الإنسان مع ربه ومع الكون ومع مجتمعه، وأراد لنا أن نتبع هذه التشريعات الربانية، ولكن إرداته هذه ليست إجبارية علينا فإمكاننا فعلها وبإمكاننا تركها وحسابنا على الله، وتسمى إرادة شرعية، فكما أننا نخضع للإرادة الكونية لله عز وجل رغما عنا فلا بد أن نطبق الإرادة الشرعية الاختيارية، ليكون هناك تناسق في الكون وتناسق مع الفطرة الإنسانية، فالذي خلقنا وخلق فطرتنا بإرادته الكونية، هو الذي أنزل ما يناسبها من أحكام شرعية وأمرنا بإرادته الشرعية أن نتبعها، فالذي خلق هو الأعلم بمصلحة ما خلق، ولذلك فإن الجاهلية تجعل التناقض بين الكون والفطرة وبين تشريعاتها، لأن تشريعاتها لم تأت من خالق الفطرة بل من مخلوق قاصر لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا.

تجمع الجاهلية لا يواجه إلا بتجمع إسلامي مقابل:

الجاهية ليست مجرد نظرية يتبناها مجوعة من الناس، بل هي تجمع بشري تربطهم مع بعضهم البعض روابط الولاء والمناصرة، وهوتجمع حركي يحارب ويقاوم من يهدد وجوده وكيانه، ولا بد للمسلمين من تجمع إيماني يجمعهم وقيادة تسيرهم بعيدة عن قيادة الجاهلية، لكي تكافئ وتواجه التجمع الجاهلي، و إن عدم تجمع المسلمين الصادقين في تجمع يجمعهم وبقاؤهم أفرادا متفرقين وسط المجتمع الجاهلي و مهما كثر عددهم لا يمكن أن يؤدي إلى " وجود فعلي " للإسلام، لأن الأفراد " المسلمين نظريًا " الداخلين في التركيب العضوي للمجتمع الجاهلي سيظلون مضطرون حتمًا للاستجابة لمطالب هذا المجتمع العضوية .. سيتحركون - طوعًا أو كرهًا، بوعي أو بغير وعي - لقضاء الحاجات الأساسية لحياة هذا المجتمع الضرورية لوجوده، وسيدافعون عن كيانه، وسيدفعون العوامل التي تهدد وجوده وكيانه، لأن الكائن العضوي يقوم بهذه الوظائف بكل أعضائه سواء أرادوا أم لم يريدوا .. أي أن الأفراد " المسلمين نظريًا " سيظلون يقومون " فعلًا " بتقوية المجتمع الجاهلي الذي يعملون " نظريًا " لإزالته، وسيظلون خلايا حية في كيانه تمده بعناصر البقاء والامتداد! وسيعطونه كفاياتهم وخبراتهم ونشاطهم ليحيا بها ويقوى، وذلك بدلًا من أن تكون حركتهم في اتجاه تقويض هذا المجتمع الجاهلي لإقامة المجتمع الإسلامي!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت