الصفحة 5 من 54

العقيدة أولا:

ظل القران المكِّي [1] ينزل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاثة عشر عامًا كاملة، يحدِّثه فيها عن قضية واحدة لا تتغير، وهي القضية الكبرى، ألا وهي قضية العقيدة، ممثلة في قاعدتها الرئيسية الألوهية والعبودية، وما بينهما من علاقة.

تلك القضية التي تبين للإنسان علاقته بخالقه وبالكون وما فيه من مخلوقات، وتبين من أين جاء وماهي نهايته وماهي وظيفته في الحياة الدنيا، وهي قضية تهم كل إنسان في أي زمان، ولم يتجاوز القرآن المكي قضية العقيدة إلى التشريعات التفصيلية المتعلقة بحياة المسلم في مجتمعه إلا بعدما رسخت العقيدة في قلوب الصحابة -رضوان الله عليهم، ولم تكن هذه - في ظاهر الأمر وفي نظرة العقل البشري المحجوب - هي أيسر السبل إلى قلوب العرب! فلقد كانوا يعرفون من لغتهم معنى " إله " ومعنى: " لا إله إلا الله ". كانوا يعرفون أن الألوهية تعني الحاكمية العليا .. وكانوا يعرفون أن توحيد الألوهية وإفراد الله - سبحانه - بها، معناه نزع السلطان الذي يزاوله الكهان ومشيخة القبائل والأمراء والحكام، وردّه كله إلى الله .. السلطان على الضمائر، والسلطان على الشعائر، والسلطان على واقعيات الحياة، والسلطان في المال، والسلطان في القضاء، والسلطان في الأرواح والأبدان .. كانوا يعلمون أن " لا إله إلا الله " ثورة على السلطان الأرضي الذي يغتصب أولى خصائص الألوهية، وثورة على الأوضاع التي تقوم على قاعدة من هذا الاغتصاب، وخروج على السلطات التي تحكم بشريعة من عندها لم يأذن بها الله، ومن ثم استقبلوا هذه الدعوة - أو هذه الثورة - ذلك الاستقبال العنيف، وحاربوها هذه الحرب التي يعرفها الخاص والعام ..

فَلِمَ كانت هذه نقطة البدء في هذه الدعوة؟ وَلِمَ اقتضت حكمة الله أن تبدأ بكل هذا العناء؟

مناهج دعوية أيسر لكنها مرفوضة:

لقد كانت هناك عدة خيارات دعوية-وفق منظورنا البشري- متاحة للنبي صلى الله عليه وسلم، وهي أيسر من البداية بالعقيدة، فما هي هذه الخيارات؟ ولماذ هي مرفوضة؟

المنهج الأول: الدعوة القومية:

لقد بُعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بهذا الدين، وأخصب بلاد العرب وأغناها ليست في أيدي العرب، إنما هي في أيدي غيرهم من الأجناس!

بلاد الشام كلها في الشمال خاضعة للروم، يحكمها أمراء عرب من قِبَل الروم، وبلاد اليمن كلها في الجنوب خاضعة للفرس، يحكمها أمراء عرب من قبل الفرس، وليست في أيدي العرب إلا الحجاز وتهامة ونجد، وما إليها من الصحاري القاحلة التي تتناثر فيها الواحات الخصبة هنا وهناك!

فلو بدأ النبي صلى الله عليه وسلم دعوته بتوحيد القبائل العربية، ورفع راية القومية العربية وحرض القبائل العربية على استرداد أراضيها الخصباء من الروم والفرس، لاتبعته القبائل العربية قاطبة، ولسلمته أمارتها وقيادتها، وكان بإمكانه بعد ذلك أن يستخدم هذا كله في إقرار عقيدة التوحيد التي بعث بها، في تعبيد الناس لسلطان ربهم بعد أن عبَّدهم لسلطانه البشرى، وهذا أيسر له من دعوة تعارض أهواء أصحاب السلطان فيعادوه دفاعا عن أهوائهم،

لكن الله عز وجل لم يشأ لنبيه أن يحرر الناس من سلطان الطاغوت الروماني أو الفارسي، ليقعوا تحت سلطان الطاغوت العربي!

(1) القرآن المكي هو القرآن الذي نزل على محمد صلى الله عيه وسلم قبل الهجرة، والقرآن المدني هو الذي نزل على محمد صلى الله عليه وسلم بعد الهجرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت