الصفحة 6 من 54

فالطاغوت كله طاغوت! إن الأرض لله، ويجب أن تخلص لله. ولا تخلص لله إلا أن ترتفع عليها راية: " لا إله إلا الله "، إن الناس عبيد لله وحده، ولا يكونون عبيدًا لله وحده إلا أن ترتفع راية: " لا إله إلا الله " - لا إله إلا الله كما يدركها العربي العارف بمدلولات لغته،: لا حاكمية إلا الله، ولا شريعة إلا من الله، ولا سلطان لأحد على أحد، لأن السلطان كله لله، هذا هو السبب الأول.

والسبب الثاني هو أن " الجنسية " التي يريدها الإسلام للناس هي جنسية العقيدة، التي يتساوى فيها العربي والروماني والفارسي وسائر الأجناس والألوان تحت راية الله، فهذا هو الطريق الصحيح وإن كانت فيه مشقة.

المنهج الثاني: الإصلاح الاجتماعي:

وبُعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بهذا الدين، والمجتمع العربي كأسوأ ما يكون المجتمع توزيعًا للثروة والعدالة. قلة قليلة تملك المال والتجارة، وكثرة كثيرة لا تملك إلا الشظف والجوع. والذين يملكون الثروة يملكون معها الشرف والمكانة، وجماهير كثيرة ضائعة من المال والمجد جميعًا!

وربما قيل: أنه كان في استطاعة محمد - صلى الله عليه وسلم - أن يرفعها راية اجتماعية، وأن يثيرها حربًا على طبقة الأشراف، وأن يطلقها دعوة تستهدف تعديل الأوضاع، ورد أموال الأغنياء على الفقراء، فتقف معه عندئذ الأكثرية الفقيرة ضد الاقلية الغنية، فتوليه قيادتها وتنتصر على الأقلية الغنية، وبعدها يستغل سلطانه لتعبيد الناس ربهم بعد أن عبدهم لسلطانه!

ولكن الله - سبحانه - وهو العليم الحكيم، لم يوجهه هذا التوجيه ..

لقد كان الله - سبحانه - يعلم أن هذا ليس هو الطريق .. كان يعلم أن العدالة الاجتماعية لا بد أن تنبثق في المجتمع من تصور اعتقادي شامل، يرد الأمر كله لله، ويقبل عن رضى وعن طواعية ما يقضي به الله من عدالة التوزيع، ومن تكافل الجميع، ويستقر معه في قلب الآخذ والمأخوذ منه سواء أنه ينفذ نظامًا شرعه الله، ويرجو على الطاعة فيه الخير والحسنى في الدنيا والآخرة سواء. فلا تمتلئ قلوب بالطمع، ولا تمتلئ قلوب بالحقد، ولا تسير الأمور كلها بالسيف والعصا! ولا تفسد القلوب كلها وتختنق الأرواح، كما يقع في الأوضاع التي تقوم على غير " لا اله إلا الله ".

المنهج الثالث: الدعوة الأخلاقية:

وبُعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمستوى الأخلاقي في الجزيرة العربية في الدرك الأسفل في جوانب منه شتى - إلى جانب ما كان في المجتمع من فضائل الخامة البدوية

كان التظالم فاشيًا في المجتمع، تعبر عنه حكمة الشاعر " زهير بن أبي سلمى ":

و من لم يذد عن حوضه بسلاحه ... يهدَّم، ومن لا يظلم الناس يُظلمِ

وكانت الخمر والميسر من تقاليد المجتمع الفاشية، ومن مفاخره كذلك! يعبر عن هذه الخصلة الشعر الجاهلي بجملته، وكانت الدعارة - في صور شتى - من معالم هذا المجتمع - شأنه شأن كل مجتمع جاهلي قديم أو حديث - كالتي روته عائشة- رضي الله عنه- [1]

وربما قيل: أنه كان قي استطاعة محمد - صلى الله عليه وسلم - أن يعلنها دعوة إصلاحية، تتناول تقويم الأخلاق، وتطهير المجتمع، وتزكية النفوس.

وربما قيل: أنه - صلى الله عليه وسلم - كان واجدًا وقتها - كما يجد كل مصلح أخلاقي في أية بيئة - نفوسًا طيبة يؤذيها هذا الدنس، وتأخذها الأريحية والنخوة لتلبية دعوة الإصلاح والتطهر.

(1) فقد ذكرت أربعة أنواع من النكاح في الجاهلية، ثلاثة منه فاسدة ماجنة، راجع صحيح البخاري حديث رقم:5127

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت