تقف البشرية اليوم على حافة الهاوية بسبب أفلاسها في عالم القيم، فلم يجد المعسكر الغربي ولا الشرقي ما يقدمه للبشرية من قيم، كذلك أدت " القومية " و " الوطنية " دورها في هذا العصر ولم تعد تملك ما تقدمه للبشرية من قيم تسمح لها بقيادة البشرية، وكذلك الحال بالنسبة للنهضة العلمية التي بلغت ذروتها ولم تعد تمتلك رصيدا من القيم يؤهلها لقيادة البشر.
ولقد جاء دور " الإسلام " ودور " الأمة "، فالإسلام قد اعترف بأهمية الابتكار المادي، ويعده من وظائف الإنسان الأولى منذ أن عهد الله إليه بالخلافة في الأرض، ويعتبره - تحت شروط خاصة - عبادة لله، وتحقيقًا لغاية الوجود الإنساني.
{وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} [البقرة: 30]
{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِي} [الذاريات: 56]
وجاء دور " الأمة المسلمة " لتحقق ما أراده الله بإخراجها للناس:
{كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} ... [آل عمران: 110]
كما أنه قد جاء بقيم ربانية توجه هذا الاستخلاف المادي في الأرض.
ولا يمكن للإسلام ان يقوم بدوره إلا إذا تمثل بـ " أمة مسلمة " من البشر تنبثق حياتهم وتصوراتهم وأوضاعهم وأنظمتهم وقيمهم وموازينهم كلها من المنهج الإسلامي وتزيل تراكمات التصورات والأنطمة التي لا علاقة لها بالإسلام ... وهذه الأمة - بهذه المواصفات! قد انقطع وجودها منذ انقطاع الحكم بشريعة الله من فوق ظهر الأرض جميعًا.
ولا بد من البعث الإسلامي الذي يتسلم قيادة البشرية بالرغم من العقبات التي تعترضه،
ومؤهلات الأمة التي تؤهلها قيادة البشر ليست هي التطور العلمي بالرغم من أهميته، ولكنه العقيدة والمنهج الرباني الذي تمتلكه الأمة المسلمة.
إنَّ العالم يعيش اليوم كله في " جاهلية " من ناحية الأصل الذي تنبثق منه مقومات الحياة وأنظمتها هذه الجاهلية تقوم على أساس الاعتداء على سلطان الله في الأرض وعلى أخص خصائص الألوهية .. وهي الحاكمية .. إنها تسند الحاكمية إلى البشر، فتجعل بعضهم لبعض أربابًا، لا في الصورة البدائية الساذجة التي عرفتها الجاهلية الأولى، ولكن في صورة ادعاء حق وضع التصورات والقيم، والشرائع والقوانين، والأنظمة والأوضاع، بمعزل عن منهج الله للحياة، وفيما لم يأذن به الله .. فينشأ عن هذا الاعتداء على سلطان الله اعتداء على عباده .. وما مهانة " الإنسان " عامة في الأنظمة الجماعية، وما ظلم " الأفراد " والشعوب بسيطرة رأس المال والاستعمار في النظم " الرأسمالية " إلا أثرًا من آثار الاعتداء على سلطان الله، وإنكار الكرامة التي قررها الله للإنسان!، ولا يحرر الإنسان من عبودية الإنسان للإنسان سوى الإسلام الذي يجعل العبادة لله وحده، والتلقي من الله وحده، والخضوع لله وحده.
فكيف تبدأ عملية البعث الإسلامي؟
إنه لا بد من طليعة تعزم هذه العزمة، وتمضي في الطريق. تمضي في خضم الجاهلية الضاربة الأطناب في أرجاء الأرض جميعًا. تمضي وهي تزاول نوعًا من العزلة من جانب، ونوعًا من الاتصال من الجانب الآخر بالجاهلية المحيطة، ولابد لهذه الطليعة من " معالم في الطريق " تبين لها أهداف الطريق، وخصائصه وطبيعة الجاهلية من حولها وكيفية التعامل معها، ولابد أن يكون مصدر هذه المعالم العقيدة والقرآن الكريم الذي تنبثق منه العقيدة، والتصور الذي الذي زرعه القرآن الكريم في نفوس الصفوة الأولى التي غيرت مجرى التاريخ.
ولهذه الطليعة جاء كتاب " معالم في الطريق ".