الصفحة 24 من 54

شَريعَةٌ كَوْنِيّة

الشريعة الإسلامية متناسقة مع نواميس الكون فكلاهما من عند الله:

إن التصور الإسلامي يقوم على أساس أن هذا الوجود كله من خلق الله، اتجهت إرادة الله إلى كونه فكان، وأودعه الله - سبحانه - قوانينه التي يتحرك بها، والتي تتناسق بها حركة أجزائه فيما بينها، كما تتناسق بها حركته الكلية سواء.

{إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [النحل: 40] .

{وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا} .. [الفرقان: 2] .

إن وراء هذا الوجود الكوني مشيئة تدبره، وقدرًا يحركه، وناموسًا ينسقه. هذا الناموس ينسق بين مفردات هذا الوجود كلها، وينظم حركاتها جميعًا، فلا تصطدم، ولا تختل، ولا تتوقف عن الحركة المنتظمة المستمرة - إلى ما شاءَ الله - كما إن هذا الوجود خاضع مستسلم للمشيئة التي تدبره، وهو لهذا كله صالح لا يدركه العطب إلا أن يشاء الله:

{إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} .. [الأعراف: 54] .

والإنسان من هذا الوجود الكوني، والقوانين التي تحكم فطرته ليست بمعزل عن ذلك الناموس الذي يحكم الوجود كله .. لقد خلقه الله - كما خلق هذا الوجود - وهو في تكوينه المادي من طين هذه الأرض، وما وهبه الله من خصائص زائدة على مادة الطين جعلت منه إنسانًا، إنما رزقه الله إياه مقدرًا تقديرًا، وهو خاضع من ناحية كيانه الجسمي للناموس الطبيعي الذي سنَّه الله له - رضى أم أبي - يعطى وجوده وخلقه ابتداء بمشيئة الله لا بمشيئته هو ولا بمشيئة أبيه وأمه - فهما يلتقيان ولكنهما لا يملكان أن يعطيا جنين وجوده - وهو يُولَد وفق الناموس الذي وضعه الله لمدة الحمل وظروف الولادة. وهو يتنفس هذا الهواء الذي أوجده الله بمقاديره هذه، ويتنفسه بالقدر وبالكيفية التي أرادها الله له. وهو يأكل ويشرب، وبالجملة يعيش .. وفق ناموس الله، عن غير إرادة منه ولا اختيار، شأنه في هذا شأن هذا الوجود الكوني وكل ما فيه وكل من فيه، في الخضوع المطلق لمشيئة الله وقدره وناموسه ...

والله الذي خلق هذا الوجود الكوني وخلق الإنسان، والذي أخضع الإنسان لنواميسه التي أخضع لها الوجود الكوني .. هو - سبحانه - الذي سن للإنسان " شريعة " لتنظيم حياته الإرادية تنظيمًا متناسقًا مع حياته الطبيعية. فالشريعة - على هذا الأساس - إن هي إلا قطاع من الناموس الإلهي العام الذي يحكم فطرة الإنسان، وفطرة الوجود العام، وينسقها كلها جملةً واحدة.

و " الشريعة " التي سنَّها الله لتنظيم حياة البشر هي - من ثم - شريعة كونية. بمعنى أنها متصلة بناموس الكون العام، ومتناسقة معه .. ومن ثم فإن الالتزام بها ناشئ من ضرورة تحقيق التناسق بين حياة الإنسان، وحركة الكون الذي يعيش فيه و لتحقيق التناسق بين القوانين التي تحكم فطرة البشر المضمرة والقوانين التي تحكم حياتهم الظاهرة.

لا يستطيع البشر تشريع نظام دائم لهم، لماذا؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت