الصفحة 23 من 54

إن الإسلام يجيب على هذا السؤال إجابة حاسمة لا يتلعثم فيها ولا يتردد لحظة .. إن الأصل الذي يجب أن ترجع إليه الحياة البشرية بجملتها هو دين الله ومنهجه للحياة .. إن شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله التي هي ركن الإسلام الأول، وإن العبودي ة لله وحده مع التلقي في كيفية هذه العبودية عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا تتحقق إلا أن يعترف بهذا الأصل، ثم يتبع اتباعًا كاملًا بلا تلعثم ولا تردد:

{وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7]

ثم إن الإسلام يسأل:

{أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ}

ويجيب:

{وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} .. {وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} ..

والذي يعلم - والذي يخلق ويرزق كذلك - هو الذي يحكم .. ودينه الذي هو منهجه للحياة، هو الأصل الذي ترجع إليه الحياة .. أما واقع البشر ونظرياتهم ومذاهبهم فهي تفسد وتنحرف، وتقوم على علم البشر الذين لا يعلمون، والذين لم يؤتوا من العلم إلا قليلًا!

ودين الله ليس غامضًا، ومنهجه للحياة ليس مائعًا والأصول المقررة للاجتهاد والاستنباط مقررة كذلك ومعروفة وليست غامضة ولا مائعة .. فليس لأحد أن يقول لشرع يشرعه: هذا شرع الله، إلا أن تكون الحاكمية العليا لله معلنة، وأن يكون مصدر السلطات هو الله سبحانه لا (الشعب) ولا (الحزب) ولا أي من البشر، وأن يرجع إلى كتاب الله وسنة رسوله لمعرفة ما يريده الله ولا يكون هذا لكل من يريد أن يدعي سلطانًا باسم الله. كالذي عرفته أوروبا ذات يوم باسم " الثيوقراطية " أو " الحكم المقدس " فليس شيء من هذا في الإسلام. وما يملك أحد أن ينطق باسم الله إلا رسوله - صلى الله عليه وسلم - وإنما هنالك نصوص معينة هي التي تحدد ما شرع الله ..

" فقه الواقع " أو " الدين للواقع " كيف ومتى؟

إن كلمة " الدين للواقع " يساء فهمها، ويساء استخدامها كذلك. نعم إن هذا الدين للواقع. ولكن أي واقع!

إنه الواقع الذي ينشئه هذا الدين نفسه، وفق منهجه، منطبقًا على الفطرة البشرية في سوائها، ومحققًا للحاجات الإنسانية الحقيقية في شمولها. هذه الحاجات التي يقررها الذي خلق، والذي يعلم من خلق:

{أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الملك: 14]

والدين لا يواجه الواقع أيا كان ليقرَّه ويبحث له عن سند منه، وعن حكم شرعي يعلقه عليه كاللافتة المستعارة! إنما يواجه الواقع ليزنه بميزانه، فيقر منه ما يقر، ويلغي منه ما يلغي، وينشئ واقعًا غيره إن كان لا يرتضيه، وواقعه الذي ينشئه هو الواقع. وهذا هو المعنى بأن الإسلام: " دين للواقع " .. أو ما يجب أن تعنيه في مفهومها الصحيح!

ولعله يثار هنا سؤال:

" أليست مصلحة البشر هي التي يجب أن تصوغ واقعهم؟ "!.

ومرة أخرى نرجع إلى السؤال الذي يطرحه الإسلام ويجيب عليه:

- {أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ} ؟

- {وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} !

إن مصلحة البشر متضمنة في شرع الله، كما أَنزله الله، وكما بَلَّغه عنه رسول الله .. فإذا بدا للبشر ذات يوم أن مصلحتهم في مخالفة ما شرع الله لهم، فهم .. أولًا: " واهمون " فيما بدا لهم.

{إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى، أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى، فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى} ... [النجم: 23 - 25]

وهم .. ثانيًا: " كافرون " .. فما يدعي أحد أن المصلحة فيما يراه هو مخالفًا لما شرع الله، ثم يبقى لحظة واحدة على هذا الدين. ومن أهل هذا الدين!.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت