الصفحة 22 من 54

وأخيرًا يدخل في إطار المجتمع الجاهلي تلك المجتمعات التي تزعم لنفسها أنها " مسلمة "! [1] .

وهذه المجتمعات لا تدخل في هذا الإطار لأنها تعتقد بألوهية أحد غير الله، ولا لأنها تقدم الشعائر التعبدية لغير الله أيضًا، ولكنها تدخل في هذا الإطار لأنها لا تدين بالعبودية لله وحده في نظام حياتها. فهي - وإن لم تعتقد بألوهية أحد إلا الله - تعطي أخص خصائص الألوهية لغير الله، فتدين بحاكمية غير الله، فتتلقى من هذه الحاكمية نظامها، وشرائعها وقيمها، وموازينها، وعاداتها وتقاليدها .. وكل مقومات حياتها تقريبًا!.

والله سبحانه يقول عن الحاكمين:

{وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} .. [المائدة: 44]

ويقول عن المحكومين:

{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ ... } إلى أن يقول { ... فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} .. [النساء: 60 - 65]

كما إنه - سبحانه - قد وصف اليهود والنصارى من قبل بالشرك والكفر والحيدة عن عبادة الله وحده، واتخاذ الأحبار والرهبان أربابًا من دونه، لمجرد أن جعلوا للأحبار والرهبان ما يجعله الذين يقولون عن أنفسهم أنهم " مسلمون " لناس منهم! واعتبر الله سبحانه ذلك من اليهود والنصارى شركًا كاتخاذهم عيسى ابن مريم ربًا يؤلهونه ويعبدونه سواء. فهذه كتلك خروج من العبودية لله وحده، فهي خروج من دين الله، ومن شهادة أن لا إله إلا الله.

وهذه المجتمعات بعضها يعلن صراحة " علمانيته " وعدم علاقته بالدين أصلًا، وبعضها يعلن أنه " يحترم الدين " ولكنه يخرج الدين من نظامه الاجتماعي أصلًا، ويقول: إنه ينكر " الغيبية " ويقيم نظامه على " العلمية " باعتبار أن العلمية تناقض الغيبية! وهو زعم جاهل لا يقول به إلا الجهال وبعضها يجعل الحاكمية الفعلية لغير الله ويشرع ما يشاء ثم يقول عما يشرعه من عند نفسه: هذه شريعة الله! .. وكلها سواء في أنها لا تقوم على العبودية لله وحده ..

وإذا تعين هذا، فإن موقف الإسلام من هذه المجتمعات الجاهلية كلها يتحدد في عبارة واحدة:

إنه يرفض الاعتراف بإسلامية هذه المجتمعات كلها وشرعيتها في اعتباره.

إن الإسلام لا ينظر إلى العنوانات واللافتات والشارات التي تحملها هذه المجتمعات على اختلافها .. إنها كلها تلتقي في حقيقة واحدة .. وهي أن الحياة فيها لا تقوم على العبودية الكاملة لله وحده. وهي من ثم تلتقي - مع سائر المجتمعات الأخرى - في صفة واحدة .. صفة " الجاهلية " ..

منهج الإسلام في مواجهة الواقع البشري كله:

إن تحديد هذه المنهجية يجيب إجابة حاسمة عن هذا السؤال:

-ما الأصل الذي ترجع إليه الحياة البشرية وتقوم عليه؟ أهو دين الله ومنهجه للحياة؟ أم هو الواقع البشري أيًّا كان؟

(1) لا يقصد سيد قطب -رحمه الله-أن افراد هذه المجتمعات كفرة، بل يقصد أن النظام الذي يطبق عليهم والقائم على عدم تحكيم شرع الله هو النظام الجاهلي، وبحسب موقف الافراد منه يكون حكمهم، فمن رضي من الأفراد بالحكم= بغير ما أنزل الله فحكمه كحكم الذي يحكم بغير ما أنزل الله وفق وجهة نظره رحمه الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت