الصفحة 21 من 54

وتدخل فيه المجتمعات الوثنية - وهي ما تزال قائمة في الهند واليابان والفلبين وأفريقية - تدخل فيه - أولًا: بتصورها الاعتقادي القائم على تأليه غير الله - معه أو من دونه - وتدخل فيه ثانيًا: بتقديم الشعائر التعبدية لشتى الآلهة والمعبودات التي تعتقد بألوهيتها .. كذلك تدخل فيه بإقامة أنظمة وشرائع، المرجع فيها لغير الله وشريعته. سواء استمدت هذه الأنظمة والشرائع من المعابد والكهنة والسدنة والسحرة والشيوخ، أو استمدتها من هيئات مدنية " علمانية " تملك سلطة التشريع دون الرجوع إلى شريعة الله .. أي أن لها الحاكمية العليا باسم (الشعب) أو باسم (الحزب) أو باسم كائن من كان .. ذلك أن الحاكمية العليا لا تكون إلا لله سبحانه، ولا تزاول إلا بالطريقة التي بَلَّغها عنه رسله.

وتدخل فيه المجتمعات اليهودية والنصرانية في أرجاء الأرض جميعًا .. تدخل فيه هذه المجتمعات أولًا: بتصورها الاعتقادي المحرَّف، الذي لا يفرد الله - سبحانه - بالألوهية بل يجعل له شركاء في صورة من صور الشرك، سواء بالبنوة أو بالتثليث، أو بتصور الله سبحانه على غير حقيقته، وتصور علاقة خلقه به على غير حقيقتها:

{وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ} .. [التوبة: 30]

{لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} ... [المائدة: 63]

{وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ} ... [المائدة: 64]

وتدخل فيه كذلك بشعائرها التعبدية المنبثقة من التصورات الاعتقادية المنحرفة .. ثم تدخل فيه بأنظمتها وشرائعها، وهي كلها لا تقوم على العبودية لله وحده، بالإقرار له وحده بحق الحاكمية، بل تقيم هيئات من البشر، لها حق الحاكمية العليا التي لا تكون إلا لله سبحانه .. وقديمًا وصمهم الله بالشرك لأنهم جعلوا هذا الحق للأحبار والرهبان، يشرعون لهم من عند أنفسهم فيقبلون منهم ما يشرعونه:

{اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} .. [التوبة: 31]

وهم لم يكونوا يعتقدون في ألوهية الأحبار والرهبان. ولم يكونوا يتقدمون لهم بالشعائر التعبدية، إنما كانوا فقط يعترفون لهم بحق الحاكمية، فيقبلون منهم ما يشرعونه لهم، ففي عدي بن حاتم - رضي الله عنه - أنه قد دخل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفي عنقه - أي " عدي " صليب من فضة وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقرأ هذه الآية .. (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ) .. قال: فقلت: إنهم لم يعبدوهم، فقال: " بلى! إنهم حرَّموا عليهم الحلال وأحلوا لهم الحرام، فاتبعوهم، فذلك عبادتهم إياهم " [1] .

وقد جعلوا ذلك لناس منهم-اليوم- ليسوا أحبارًا ولا رهبانًا .. وكلهم سواء ..

(1) روي من عدة طرق عن عدي بن حاتم الطائي بألفاظ متقاربة، وقد أخرجه الترمذي في سننه برقم:3095وقد حسنه شيخ الإسلام ابن تيمية في المجموع الفتاوى:7/ 67،وكذلك الالباني في كتابه صحيح الترمذي برقم:3095،وفي السلسلة الصحيحة برقم:3293

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت