{أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَاذَنْ بِهِ اللَّهُ} [الشورى: 21]
{وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7]
ولقد قلنا: إن العبودية لله تتمثل في " التصور الاعتقادي " والتصور الاعتقادي هو التصور الذي يتلقها المسلم من ربه عن خالقه عن الكون، وعن البشر، وعن عالم الغيب والشهادة، وعن غايته في الكون وعن نهايته، وعلى أساس هذا التصور يكون تعامله مع ربه بالعبودية له، ومع الكون بتسخيره وفق أوامر الله ووفق شريعته، و مع البشر وفق التعليمات الربانية من الكتاب والسنة النبوية، ويكون نشاط الحياة كلها وفق هذا التصور
فكيف ينشأ هذا المجتمع المسلم؟ وما منهج هذه النشأة؟
إن هذا المجتمع لا يقوم حتى تنشأ جماعة من الناس تقرر أن عبوديتها الكاملة لله وحده، وأنها لا تدين بالعبودية لغير الله .. لا تدين بالعبودية لغير الله في الاعتقاد والتصور والعبادات، ولا تدين بالعبودية لغير الله في النظام والشرائع .. ثم تأخذ بالفعل في تنظيم حياتها كلها على أساس هذه العبودية الخالصة.
عندئذ - وعندئذ فقط - تكون هذه الجماعة مسلمة، ويكون هذا المجتمع الذي أقامته مسلمًا كذلك، وإذن فإنه قبل التفكير في إقامة نظام مجتمع إسلامي، وإقامة مجتمع مسلم على أساس هذا النظام .. ينبغي أن يتجه الاهتمام أولًا إلى تخليص ضمائر الأفراد من العبودية لغير الله - في أي صورة من صورها التي أسلفنا - وأن يتجمع الأفراد الذين تخلص ضمائرهم من العبودية لغير الله في جماعة مسلمة مشتقة من المجتمع الجاهلي ومواجهة له، وهي التي ينشأ منها المجتمع المسلم، وينظم إليها من يريد أن يعيش في هذا المجتمع بعقيدته وعبادته التي تتمثل فيها شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله.
هكذا كانت نشأة الجماعة المسلمة الأولى، وهكذا يقوم كل مجتمع مسلم.
وقد ينضم المجتمع الجاهلي القديم بكامله إلى المجتمع الإسلامي الجديد وقد لا ينضم، كما أنه قد يهادن المجتمع المسلم الجديد أو يحاربه، وإن كانت السنة قد جرت بأن يشن المجتمع الجاهلي حربًا لا هوادة فيها، سواء على طلائع هذا المجتمع في مرحلة نشوئه - وهو أفراد أو مجموعات - أو على هذا المجتمع نفسه بعد قيامه فعلًا - وهو ما حدث في تاريخ الدعوة الإسلامية منذ نوح عليه السلام، إلى محمد عليه الصلاة والسلام، بغير استثناء،
وطبيعي أن المجتمع المسلم الجديد لا ينشأ، ولا يتقرر وجوده إلا إذا بلغ درجة من القوة يواجه بها ضغط المجتمع الجاهلي القديم، قوة الاعتقاد والتصور، وقوة الخلق والبناء النفسي، وقوة التنظيم والبناء الجماعي، وسائر أنواع القوة التي يواجه بها ضغط المجتمع الجاهلي ويتغلب عليه، أو على الأقل يصمد له!
لكن ما هو " المجتمع الجاهلي "؟ وما هو منهج الإسلام في مواجهته؟
إن المجتمع الجاهلي هو كل مجتمع غير المجتمع المسلم! وإذا أردنا التحديد الموضوعي قلنا: إنه هو كل مجتمع لا يخلص عبوديته لله وحده .. متمثلة هذه العبودية في التصور الاعتقادي، وفي الشعائر التعبدية، وفي الشرائع القانونية ..
وبهذا التعريف الموضوعي تدخل في إطار " المجتمع الجاهلي " جميع المجتمعات القائمة اليوم في الأرض فعلًا!!
تدخل فيه المجتمعات الشيوعية .. أولًا: بإلحادها في الله - سبحانه - وبإنكار وجوده أصلًا، ورجع الفاعلية في هذا الوجود إلى " المادة " أو " الطبيعة "، ورجع الفاعلية في حياة الإنسان وتاريخه إلى " الاقتصاد " أو " أدوات الإنتاج "، ثانيًا ": بإقامة نظام العبودية فيه للحزب - على فرض أن القيادة الجماعية في هذا النظام حقيقة واقعة! - لا لله سبحانه.