الصفحة 3 من 54

لقد خرجت دعوة الإسلام جيلا فريدا من الصحابة لم يتكرر في التاريخ، ولابد من دراسة سبب هذا التميز عند الصحابة-رضوان الله عيهم- حتى نسير على خطاهم، ونتقارب مع تميزهم، والقرآن الكريم بين أيدينا كما كان بين أيدهم وكذلك سنة المصطفى -صلى الله عليه وسلم-، ولم يغب عنا إلا شخص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهل هذا هو السر؟

لو كان وجود شخص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتميًّا لقيام هذه الدعوة، وإيتائها ثمراتها، ما جعلها الله دعوة للناس كافة، وما جعلها آخر رسالة، وما وكَّل إليها أمر الناس في هذه الأرض، إلى آخر الزمان، فماهو سبب تميز ذلك الجيل؟

أسباب تميز جيل الصحابة رضوان الله عليهم:

ثلاث أسباب رئيسية لتميز ذلك الجيل:

السبب الأول: مصدر التلقي عند الجيل الاول القرآن الكريم:

لقد كان مصدر التلقي عند الجيل الأول هو القرآن الكريم وهدي النبي صلى الله عليه وسلم تابع له حيث قالت عائشة رضي الله عنها عن خلقه صلى الله عليه وسلم: " كان خلقه القرآن " [1] ، فلم يكن عندهم مصدر للتقلي غير القرآن، ولم يختلط عندهم هذا المصدر بثقافات اليونان أو الروم أو الفرس أو غيرهما من الثقافات الأخرى بالرغم من وجودها آنذاك، كان مصدر تصوراتهم وأفكارهم وأحكامهم هو القرآن فقط، وكان هذا الأمر مقصودا من النبي صلى الله عليه وسلم،. يدل على هذا القصد غضب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد رأى في يد عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - صحيفة من التوراة. وقال له: " إنه والله لو كان موسى حيًّا بين أظهركم ما حلَّ له إلا أن يتبعني " [2] .

فنما عودهم واشتد على تعاليم القرآن وحده، ولم يحدث هذا مع من بعدهم حيث اختلق مصدر التلقي الأساس وهو القرآن الكريم مع غيره من ثقافات أخرى.

السبب الثاني: منهجية التلقي .... التلقي للتنفيذ:

يقول ابن مسعود رضي الله عنه:: كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن والعمل بهن [3] ، يبين هذا القول لابن مسعود رضي الله عنه منهج التلقي للقرآن الكريم عند الصحابة، فقد كانوا يتلقون القرآن الكريم لا لمجرد تذوقه بل لاتباع تعليماته وأوامره، تلقيهم للقرأن الكريم كان للتنفذ، كما يتلقى الجندي في الميدان " الأمر اليومي " ليعمل به فور تلقيه!

وتلقي القرآن الكريم بقصد المعرفة المنشئة للعمل هي التي تفتخ آفاقا للعمل وآفاقا من المتاع،

ولهذا الأمر كان القرآن الكريم يتنزل مفرقا:

{وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا} [الإسراء: 106]

وكان نزوله مفرقا وفق الأحداث ووفق حاجات الصحابة ليربيهم وفق المنهج الرباني، وليصحح ما يقع منهم من أخطاء في السلوك والمشاعر، وليشعروا أنهم تحت العناية الإلهية، ولتمكنوا من التلقي للتنفيذ.

إن منهج التلقي للتنفيذ والعمل هو الذي صنع الجيل الأول. ومنهج التلقي للدراسة والمتاع هو الذي خرَّج الأجيال التي تليه.

السبب الثالث: قطع العلاقة مع جاهليته السابقة:

(1) (صحيح / صحيح الجامع الصغير وزيادته للألباني: 4811.

(2) رواه البيهقي والدارمي بألفاظ متقاربة، وصححه الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية وقال على شرط مسلم انظر البداية والنهاية:1/ 228،2/ 159،وحسنه الألباني في إرواء الغليل رقم: 1589

(3) (رواه الطبري في تفسيره بسنده وصححه، وحكم محقق التفسير أحمد شاكر بصحته، انظر تفسير الطبري:1/ 80،1/ 89

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت