كان الصحابي بعد ان يسلم ينزع كل مظاهر الجاهلية وعقائدها التي كن يعتقدها في الجاهلية، ولا يجعل بينه وبين جاهليته السابقة أي صلة، وكان يجعل بينه وبين أهل الجاهلية وتصوراهم عزلة شعورية، وكان ينخلع عن ولائه لقيادة المجتمع الجاهلي عندما ينضم إلى التجمع الإسلامي الجديد، ويعطي ولاءه وتبعيته لقيادة هذا التجمع الإسلامي الجديد، وإذا ضعف يوما وتلبس ببعض أعمال الجاهلية يوما تاب وعاد إلى الله وشعر بالذنب ..
وكان هذا مفرق الطريق، وكان بدء السير في الطريق الجديد، السير الطليق مع التخفف من كل ضغط للتقاليد التي يتواضع عليها المجتمع الجاهلي، ومن كل التصورات والقيم السائدة فيه. ولم يكن هناك إلا ما يلقاه المسلم من أذى وفتنة، ولكنه هو في ذات نفسه قد عزم وانتهى، ولم يعد لضغط التصور الجاهلي، ولا لتقاليد المجتمع الجاهلي عليه من سبيل.
نحن اليوم في جاهلية كالجاهلية التي عاصرها الإسلام من حيث التصورات والعقائد والقوتنين والفنون والثقافة، حتى الكثير مما نحسبه ثقافة إسلامية، ومراجع إسلامية، وفلسفة إسلامية، وتفكيرًا إسلاميًا .. هو كذلك من صنع هذه الجاهلية!!
المطلوب من الحركة الإسلامية في بدايتها:
فلا بد إذن - في منهج الحركة الإسلامية - أن نتجرد في فترة الحضانة والتكوين من كل مؤثرات الجاهلية التي نعيش فيها ونستمد منها. لا بد أن نرجع ابتداء إلى النبع الخالص الذي استمد منه أولئك الرجال القىن الكريم، نرجع إليه نستمد منه تصورنا لحقيقة الوجود كله ولحقيقة الوجود الإنساني ولكافة الارتباطات بين هذين الوجودين وبين الوجود الكامل الحق، وجود الله سبحانه .. ومن ثم نستمد تصوراتنا للحياة، وقيمنا وأخلاقنا، ومناهجنا للحكم والسياسة والاقتصاد وكل مقومات الحياة.
ولا بد أن نرجع إليه - حين نرجع - بشعور التلقي للتنفيذ والعمل، نرجع إليه لنعرف ماذا يطلب منا أن نكون، لنكون. وفي الطريق سنلتقي بالجمال الفني في القرآن وبالقصص الرائع في القرآن، وبمشاهد القيامة في القرآن .. وبالمنطق الوجداني في القرآن .. وبسائر ما يطلبه أصحاب الدراسة والمتاع. ولكننا سنلتقي بهذا كله دون أن يكون هو هدفنا الأول، إن هدفنا الأول أن نعرف: ماذا يريد منا القرآن أن نعمل؟ ما هو التصور الكلي الذي يريد منا أن نتصور؟ كيف يريد القرآن أن يكون شعورنا بالله؟ كيف يريد أن تكون أخلاقنا وأوضاعنا ونظامنا الواقعي في الحياة؟
تنبيه:
ليست مهمتنا أن نصطلح مع واقع هذا المجتمع الجاهلي ولا أن ندين بالولاء له، فهو بهذه الصفة .. صفة الجاهلية .. غير قابل لأن نصطلح معه. إن مهمتنا أن نغيِّر من أنفسنا أولًا لنغير هذا المجتمع أخيرًا.
لابد من الاستعلاء على المجتمع الجاهلي وعلى قيمه وتصوراته، وألا نعدِّل نحن في قيمنا وتصوراتنا قليلًا أو كثيرًا لنلتقي معه في منتصف الطريق. كلا! إننا وإياه على مفرق الطريق، وحين نسايره خطوة واحدة فإننا نفقد المنهج كله ونفقد الطريق!
وسنلقى في هذا عنتًا ومشقة، وستفرض علينا تضحيات باهظة، ولكننا لسنا مخيرين إذا نحن شئنا أن نسلك طريق الجيل الأول الذي أقر الله به منهجه الإلهي، ونصره على منهج الجاهلية، وإنه من الخير لنا أن نعرف طبيعة منهجنا وطبيعة موقفنا.