الصفحة 19 من 54

لا إِله إِلاّ اللهُ مَنْهَجُ حَيَاة[1]

حقيقة العبودية وكيفيتها:

العبودية لله وحده هي شطر الركن الأول في العقيدة الإسلامية المتمثل في شهادة: أن لا إله إلا الله. والتلقي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في كيفية هذه العبودية - هو شطرها الثاني، المتمثل في شهادة أن محمدًا رسول الله.

والقلب المؤمن المسلم هو الذي تتمثل فيه هذه القاعدة بشطريها، لأن كل ما بعدهما من مقومات الإيمان، وأركان الإسلام، إنما هو مقتضى لها، والمجتمع المسلم هو الذي تتمثل فيه تلك القاعدة ومقتضايتها جميعًا لأنه بغير تمثل تلك القاعدة ومقتضايتها فيه لا يكون مسلمًا.

{إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ} ... ... [يوسف: 40]

{مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} .. ... [النساء: 80]

هذا التقرير الموجز المطلق الحاسم يفيدنا في تحديد كلمة الفصل في قضايا أساسية في حقيقة هذا الدين، وفي حركته الواقعية كذلك:

إنه يفيدنا أولًا في تحديد " طبيعة المجتمع المسلم ".

ويفيدنا ثانيًا في تحديد " منهج نشأة المجتمع المسلم ".

ويفيدنا ثالثًا في تحديد " منهج الإسلام في مواجهة المجتمعات الجاهلية ".

ويفيدنا رابعًا في تحديد " منهج الإسلام في مواجهة واقع الحياة البشرية ".

وهي قضايا أساسية بالغة الخطورة في منهج الحركة الإسلامية قديمًا وحديثًا.

السمة الأولى للمجتمع المسلم:

إن السمة الأولى المميزة لطبيعة (المجتمع المسلم) هي أن هذا المجتمع يقوم على قاعدة العبودية لله وحده في أمره كله .. هذه العبودية التي تمثلها وتكيفها شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله.

وتتمثل هذه العبودية في التصور الاعتقادي، كما تتمثل في الشعائر التعبدية، كما تتمثل في الشرائع القانونية سواء.

فليس عبدًا لله وحده من لا يعتقد بوحدانية الله سبحانه:

{وَقَالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ، وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ} ... ... [النحل: 51 - 52]

ليس عبدًا لله وحده من يتقدم بالشعائر التعبدية لأحد غير الله - معه أو من دونه:

{قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} [الأنعام: 162 - 163]

وليس عبدًا لله وحده من يتلقى الشرائع القانونية من أحد سوى الله، عن الطريق الذي بَلَّغَنَا الله به، وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم:

(1) لم يقصد سيد رحمه الله في نفيه الإسلام عن مجتمع ما أنه بالضرورة يكفر أفراد المجتمع، وما نظنه أنه يقصد أن فعل ذلك المجتمع كفعل الكفار، ولهذا نظائر في الشرع، فقد وصف النبي -صلى الله عليه وسلم-كما في الصحيحين قتال المسلم بأنه كفر، قال الحافظ ابن حجر في شرحه للحديث:"وتقدم توجيه إطلاق الكفر على قتال المؤمن وأن أقوى ما قيل في ذلك أنه أطلق عليه مبالغة في التحذير من ذلك لينزجر السامع عن الإقدام عليه , أو أنه على سبيل التشبيه لأن ذلك فعل الكافر"فتح الباري:13/ 27،هذا في العموم، وأما إذا أصر فرد من المجتمع على إنكار معلوم من الدين بالضرورة كإنكاره مثلا أن الحكم لله، وأن له سبحانه حق التشريع فلا مناص عندئذ من الحكم بردته خاصة بعد قيام الحجة الشرعية عليه، وهذه المسألة محل إجماع بين العلماء، انظر قواعد الأصول لصفي الدين الحنبلي:1،إرشاد الفحول للشوكاني:63

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت