علاقة الحاكمية في التصور الإسلامي بالثقافة:
إن " شريعة الله " تعني كل ما شرعه الله لتنظيم الحياة البشرية .. وهذا يتمثل في أصول الاعتقاد، وأصول الحكم، وأصول الأخلاق، وأصول السلوك، وأصول المعرفة أيضًا.
ويتمثل في الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية، والأصول التي تقوم عليها، لتتمثل فيها العبودية الكاملة لله وحده.
ويتمثل في التشريعات القانونية، التي تنظم هذه الأوضاع. وهو ما يطلق عليه اسم " الشريعة " غالبًا بمعناها الضيق الذي لا يمثل حقيقة مدلولها في التصور الإسلامي.
ثم .. يتمثل في " المعرفة " بكل جوانبها، وفي أصول النشاط الفكري والفني جملة.
و الأمر الذي قد يكون غريبًا - حتى على قراء مثل هذه البحوث الإسلامية! - فهو الرجوع في شأن النشاط الفكري والفني إلى التصور الإسلامي والى مصدره الرباني.
وفي النشاط الفني يمكننا القول أن النشاط الفني كله، وهو تعبير إنساني عن تصورات الإنسان وانفعالاته واستجاباته، وعن صورة الوجود والحياة في نفس إنسانية .. وهذه كلها يحكمها - بل ينشئها - في النفس المسلمة تصورها الإسلامي بشموله لكل جوانب الكون والنفس والحياة، وعلاقتها ببارئ الكون والنفس والحياة وكلها متضمنة في التصور الاسلامي، الذي ليس هو مجرد تصور فكري. إنما هو تصور اعتقادي حي موح مؤثر فعال دافع مسيطر على كل انبعاث في الكيان الإنساني.
علاقة النشاط الفكري بالتصور الإسلامي، وما نأخذه من المسلم فقط وما ناخذه من المسلم وغير المسلم:
إن المسلم لا يملك أن يتلقى في أمر يختص بحقائق العقيدة، أو يختص بالعبادة، أو يختص بالخلق والسلوك، أو يختص بالمبادئ والأصول في النظام السياسي، أو الاجتماعي، أو الاقتصادي، أو يختص بتفسير بواعث النشاط الإنساني و بحركة التاريخ الإنساني .. إلا من ذلك المصدر الرباني، ولا يتلقى في هذا كله إلا عن مسلم يثق في دينه وتقواه، ومزاولته لعقيدته في واقع الحياة.
ولكن المسلم يملك أن يتلقى في العلوم البحتة، كالكيمياء، والطبيعة، والأحياء، والفلك، والطب، والصناعة، والزراعة، وطرق الإدارة - من الناحية الفنية الإدارية البحتة - وطرق العمل الفنية، وطرق الحرب والقتال - من الجانب الفني- إلى آخر ما يشبه هذا النشاط .. يملك أن يتلقى في هذا كله عن المسلم وغير المسلم .. وإن كان الأصل في المجتمع المسلم حين يقوم، أن يسعى لتوفير هذه الكفايات في هذه الحقول كلها، باعتبارها فروض كفاية، يجب أن يتخصص فيها أفراد منه. وإلا أثم المجتمع كله إذا لم يوفر هذه الكفايات، ولكن إلى أن يتحقق هذا فإن للفرد المسلم أن يتلقى في هذه العلوم البحتة وتطبيقاتها العملية من المسلم وغير المسلم، لأنها من الأمور الداخلة في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أنتم أعلم بأمر دنياكم " [1] ، ومن ثم فلا خطر فيها من زيغ عقيدته، أو ارتداده إلى الجاهلية.
(1) رواه مسلم في صحيحه برقم:2336من حديث أنس بن مالك-رضي الله عنه-