الصفحة 33 من 54

فأما ما يتعلق بتفسير النشاط الإنساني كله أفرادًا أو مجتمعات، وهو التعلق بالنظرة إلى " نفس " الإنسان وإلى " حركة تاريخه "، وما يختص بتفسير نشأة هذا الكون، ونشأة الحياة، ونشأة هذا الإنسان ذاته - من ناحية ما وراء الطبيعة - (وهو ما لا تتعلق به العلوم البحتة من كيمياء وطبيعة وفلك وطب .. إلخ) فالشأن فيه، شأن الشرائع القانونية والمبادئ والأصول التي تنظم حياته ونشاطه، مرتبط بالعقيدة ارتباطًا مباشرًا، فلا يجوز للمسلم أن يتلقى فيه إلا عن مسلم، يثق في دينه وتقواه، ويعلم عنه أنه يتلقى في هذا كله عن الله .. والمهم أن يرتبط هذا في حس المسلم بعقيدته، وأن يعلم أن هذا مقتضى عبوديته لله وحده، أو مقتضى شهادته: أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله.

إنه قد يَطَّلِع على كل آثار النشاط الجاهلي. ولكن لا لِيُكَوِّن منه تصوره ومعرفته في هذه الشؤون كلها، إنما ليعرف كيف تنحرف الجاهلية! وليعرف كيف يصحح ويقوِّم هذه الانحرافات البشرية، بردِّها إلى أصولها الصحيحة في مقومات التصور الإسلامي، وحقائق العقيدة الإسلامية.

إن اتجاهات " الفلسفة " بجملتها، واتجاهات " تفسير التاريخ الإنساني " بجملتها، واتجاهات " علم النفس " بجملتها - عدا الملاحظات والمشاهدات دون التفسيرات العامة لها - ومباحث " الأخلاق " بجملتها، واتجاهات دراسة " الأديان المقارنة " بجملتها، واتجاهات " التفسيرات والمذاهب الاجتماعية " بجملتها - فيما عدا المشاهدات والإحصائيات والمعلومات المباشرة، لا النتائج العامة المستخلصة منها ولا التوجيهات الكلية الناشئة عنها - .. إن هذه الاتجاهات كلها في الفكر الجاهلي - أي غير الإسلامي - قديمًا وحديثًا، متأثرة تأثرًا مباشرًا بتصورات اعتقادية جاهلية، وقائمة على هذه التصورات، ومعظمها - إن لم يكن كلها - يتضمن في أصوله المنهجية عداءً ظاهرًا أو خفيًا للتصور الديني جملة، وللتصور الإسلامي على وجه خاص!

" الثقافة تراث إنسان لا وطن ولا جنس له ولا دين، " متى يكون ذلك؟

إن حكاية أن " الثقافة تراث إنساني " لا وطن له ولا جنس ولا دين .. هي حكاية صحيحة عندما تتعلق بالعلوم البحتة وتطبيقاتها العلمية - دون أن تجاوز هذه المنطقة إلى التفسيرات الفلسفية " الميتافيزيقية " [1] لنتائج هذه العلوم، ولا إلى التفسيرات الفلسفية لنفس الإنسان ونشاطه وتاريخه، ولا إلى الفن والأدب والتعبيرات الشعورية جميعًا. ولكنها فيما وراء ذلك إحدى مصايد اليهود العالمية، التي يهمها تمييع الحواجز كلها - بما في ذلك، بل في أول ذلك حواجز العقيدة والتصور - لكي ينفذ اليهود إلى جسم العالم كله، وهو مسترخ مخدر، يزاول اليهود فيه نشاطهم الشيطاني، وفي أوله نشاطهم الربوي، الذي ينتهي إلى جعل حصيلة كد البشرية كلها، تؤول إلى أصحاب المؤسسات المالية الربوية من اليهود!

ولكن الإسلام يعتبر أن هناك - فيما وراء العلوم البحتة وتطبيقاتها العملية - نوعين اثنين من الثقافة: الثقافة الإسلامية القائمة على قواعد التصور الإسلامي، والثقافة الجاهلية القائمة على مناهج شتى ترجع كلها إلى قاعدة واحدة .. قاعدة إقامة الفكر البشري إلهًا لا يرجع إلى الله في ميزانه. والثقافة الإسلامية شاملة لكل حقول النشاط الفكري والواقعي الإنساني، وفيها من القواعد والمناهج والخصائص ما يكفل نمو هذا النشاط وحيويته دائمًا.

المنهجية العلمية تلقتها أوروبا من المسلمين ثم انحرفت بها:

(1) الميتافيزيقيا: فرع من فروع الفلسفة تدرس جوهر المعتقدات كالوجود و الكون و الخصائص و العلاقات و المكان و الزمان و غيرها من الأمور التي لا تخضع للعلم التجريبي كالكيمياء والفيزياء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت