ويكفي أن نعلم أن الاتجاه التجريبي، الذي قامت عليه الحضارة الصناعية الأوروبية الحاضرة، لم ينشأ ابتداء في أوروبا، وإنما نشأ في الجامعات الإسلامية في الأندلس والمشرق، مستمدًا أصوله من التصور الإسلامي وتوجيهاته، إلى الكون وطبيعته الواقعية، ومدخراته وأقواته .. ثُم استقلت النهضة العلمية في أوروبا بهذا المنهج، واستمرت تنميه وترقيه، بينما رُكِدَ وترك نهائيًا في العالم الإسلامي بسبب بُعْد هذا العالم تدريجيًا عن الإسلام، بفعل عوامل بعضها كامن في تركيب المجتمع وبعضها يتمثل في الهجوم عليه من العالم الصليبي والصهيوني ... ثم قطعت أوروبا ما بين المنهج الذي اقتبسته وبين أصوله الاعتقادية الاسلامية، وشردت به نهائيًا بعيدًا عن الله، في أثناء شرودها عن الكنيسة، التي كانت تستطيل على الناس - بغيًا وعدوًا - باسم الله!
وكذلك أصبح نتاج الفكر الأوروبي بجملته - شأنه شأن إنتاج الفكر الجاهلي في جميع الأزمان في جميع البقاع - شيئًا آخر، ذا طبيعة مختلفة من أساسها عن مقومات التصور الإسلامي. ومعادية في الوقت ذاته عداء أصيلًا للتصور الإسلامي.
تجربة علمية شخصية مع أدبيات الجاهلية:
إن الذي يكتب هذا الكلام إنسان عاش يقرأ أربعين سنة كاملة. كان عمله الأول فيها هو القراءة والاطلاع في معظم حقول المعرفة الإنسانية .. ما هو من تخصصه وما هو من هواياته .. ثم عاد إلى مصادر عقيدته وتصوره. فإذا هو يجد كل ما قرأه ضئيلا ًضئيلًا إلى جانب ذلك الرصيد الضخم - وما كان يمكن أن يكون إلا كذلك - وما هو بنادم على ما قضى فيه أربعين سنة من عمره. فإنما عرف الجاهلية على حقيقتها، وعلى انحرافها، وعلى ضآلتها، وعلى قزامتها ... وعلى جعجعتها وانتفاشها، وعلى غرورها وادعائها كذلك!!! وعلم علم اليقين أنه لا يمكن أن يجمع المسلم بين هذين المصدرين في التلقي!!!
ومع ذلك فليس الذي سبق في هذه الفقرة رأيًا لي أبديه .. إن الأمر أكبر من أن يفتى فيه بالرأي .. إنه أثقل في ميزان الله من أن يعتمد المسلم فيه على رأيه، إنما هو قول الله - سبحانه - وقول نبيه صلى الله عليه وسلم .. نحكِّمه في هذا الشأن، ونرجع فيه إلى الله والرسول، كما يرجع الذين آمنوا إلى الله والرسول فيما يختلفون فيه.
خطورة تلقي التصورات والقيم من غير المسلمين الصادقين:
يقول الله - سبحانه - عن الهدف النهائي لليهود والنصارى في شأن المسلمين بصفة عامة:
{وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَاتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} ... [البقرة: 109] .
{وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ} ... [البقرة: 120]
ويقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما رواه الحافظ أبو يعلى عن حماد عن الشعبي عن جابر - رضي الله عنهم: