" لا تسألوا أهل الكتاب عن شيءٍ، فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا، وإنكم إما أن تصدقوا بباطل، وإما أن تكذبوا بحق، وإنه والله لو كان موسى حيًا بين أظهركم ما حلَّ له أن يتبعني ". [1]
وحين يتحدد الهدف النهائي لليهود والنصارى في شأن المسلمين على ذلك النحو القاطع الذي يقرره الله سبحانه، يكون من البلاهة الظن لحظة بأنهم يصدرون عن نية طيبة في أي مبحث من المباحث المتعلقة بالعقيدة الإسلامية، أو التاريخ الاسلامي، أو التوجيه في نظام المجتمع المسلم، أو في سياسته أو اقتصاده، أو يقصدون إلى خير، والذين يظنون ذلك فيما عند هؤلاء الناس - بعد تقرير الله سبحانه - إنما هم الغافلون!
كذلك يتحدد من قول الله سبحانه: {قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى} ... المصدر الوحيد الذي يجب على المسلم الرجوع إليه في هذه الشؤون، فليس وراء هدى الله إلا الضلال، وليس في غيره هدى، كما تفيد صيغة القصر الواردة في النص: " قُل: إن هدى الله هو الهدى " ... ولا سبيل إلى الشك في مدلول هذا النص، ولا إلى تأويله كذلك!
كذلك يرد الأمر القاطع بالإعراض عمن يتولى عن ذكر الله، ويقصر اهتمامه على شؤون الحياة الدنيا، وينص على أن مثل هذا لا يعلم إلا ظنًا، والمسلم منهي عن اتباع الظن، وأنه لا يعلم إلا ظاهرًا من الحياة الدنيا، فهو لا يعلم علمًا صحيحًا.
{فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا، ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى} . [النجم: 29 - 30]
{يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ} .. [الروم: 7]
والذي يغفل عن ذكر الله، ولا يريد إلا الحياة الدنيا - وهو شأن جميع " العلماء! " اليوم - إلا من رحم الله- لا يعلم إلا هذا الظاهر، كما أنه ليس هو العلم الذي تشير إليه الآيات القرآنية وتثني عليه، كقوله تعالى: " هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون؟ " كما يفهم الذين ينتزعون النصوص القرآنية من سياقها ليشهدوا بها في غير مواضعها؟ فهذا السؤال التقريري وارد في آية هذا نصها الكامل:
{أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ} .. [الزمر: 9]
فهذا القانت آناء الليل، ساجدًا وقائمًا، يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه .. هو هذا الذي يعلم .. وهذا هو العلم .. الذي تشير إليه الآية، العلم الذي يهدي إلى الله وتقواه .. لا العلم الذي يفسد الفطر فتلحد في الله!
(1) قال السيوطي في الدر المنثور:"وأخرج البيهقي في سننه وفي الشعب والديلمي وأبو نصر السجزي في الابانة عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"لا تسألوا هل الكتاب عن شيء فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا، اما أن تصدقوا بباطل أو تكذبوا بحق، والله لو كان موسى حيا بين أظهركم ما حل له إلا أن يتبعني"،الدر المنثور:6/ 469،ونهاية الحديث قد سبق بيان أنه في درجة الحسن."