الصفحة 25 من 54

ولما كان البشر لا يملكون أن يدركوا جميع السنن الكونية، ولا أن يحيطوا بأطراف الناموس العام - ولا حتى بهذا الذي يحكم فطرتهم ذاتها ويخضعهم له - رضوا أم أبوا - فإنهم - من ثم - لا يملكون أن يشرعوا لحياة البشر نظامًا يتحقق به التناسق المطلق بين حياة الناس وحركة الكون، ولا حتى التناسق بين فطرتهم المضمرة وحياتهم الظاهرة. إنما يملك هذا خالق الكون وخالق البشر، ومدبر أمره وأمرهم، وفق الناموس الواحد الذي اختاره وارتضاه.

من ثمرات التشريع الإلهي المتناسق مع الكون والخلق:

هذا التناسق يجعلهم يعيشون في سلام من أنفسهم .. فأما السلام مع الكون فينشأ من تطابق حركتهم مع حركة الكون، وتطابق اتجاههم مع اتجاهه .. وأما السلام مع أنفسهم فينشأ من توافق حركتهم مع دوافع فطرتهم الصحيحة، فلا تقوم المعركة بين المرء وفطرته، لأن شريعة الله تنسق بين الحركة الظاهرة والفطرة المضمرة، في يسر وهدوء .. وينشأ عن هذا التنسيق تنسيق آخر في ارتباط الناس ونشاطهم العام، لأنهم جميعًا يسلكون حينئذ وفق منهج موحد، هو طرف من الناموس الكوني العام.

كذلك يتحقق الخير للبشرية عن طريق إهتدائها وتعرفها في يسر إلى أسرار هذا الكون، والطاقات المكنونة فيه والكنوز المذخورة في أطوائه ـ واستخدام هذا كله وفق شريعة الله، لتحقيق الخير البشري العام، بلا تعارض ولا اصطدام.

ومقابل شريعة الله هو أهواء البشر:

{وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ} ... [المؤمنون: 71] .

ومن ثمَّ توحد النظرة الإسلامية بين الحق الذي يقوم عليه هذا الدين، والحق الذي تقوم عليه السموات والأرض. ويصلح عليه أمر الدنيا والآخرة.

{لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ، وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَانَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ، فَلَمَّا أَحَسُّوا بَاسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ، لا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ، قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ، فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ، وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ، لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ، بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ، وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ، يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ} ... [الأنبياء: 10 - 20] .

وفطرة الإنسان تدرك هذا الحق في أعماقها، فطبيعة تكوينه وطبيعة هذا الكون كله من حوله، توحي إلى فطرته بأن هذا الوجود قائم على الحق، وأنه ثابت على الناموس، ولا يصطدم بعضه ببعض، ولا يسير وفق الهوى المتقلب والرغبة الجامحة!، ومن ثم يقع الشقاق - أول ما يقع - بين الإنسان وفطرته عندما يحيد عن الحق الكامن في أعماقها، تحت تأثير هواه، وذلك عندما يتخذ شريعة لحياته مستمدة من هذا الهوى لا من شريعة الله، وعندما لا يستسلم لله استسلام هذا الوجود الكوني الخاضع لمولاه!

ومثل هذا الشقاق يقع بين الأفراد والجماعات والأمم والأجيال، كما يقع بين البشر والكون من حولهم، فتنقلب قواه وذخائره وسائل تدمير وأسباب شقاء، بدلًا من أن تكون وسائل عمران وأسباب سعادة لبني الإنسان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت