الصفحة 7 من 54

وربما قال قائل: أنه لو صنع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذلك لاستجابت له - في أول الأمر - جمهرة صالحة، تتطهر أخلاقها، وتزكوا أرواحها، فتصبح أقرب إلى قبول العقيدة وحملها، بدلًا من أن تثير دعوة " لا إله إلا الله " المعارضة القوية منذ أول الطريق.

ولكن الله - سبحانه - كان يعلم أن ليس هذا هو الطريق! كان يعلم أن الأخلاق لا تقوم إلا على أساس من عقيدة، تضع الموازين، وتقرر القيم، كما تقرر السلطة التي تستند إليها هذه الموازين والقيم-ألا وهي السلطة الإلهية-، والجزاء الذي تملكه هذه السلطة، وتوقعه على الملتزمين والمخالفين. وإنه قبل تقرير هذه العقيدة، وتحديد هذه السلطة تظل القيم كلها متأرجحة وتظل الأخلاق التي تقوم عليها متأرجحة كذلك، بلا ضابط، وبلا سلطان، وبلا جزاء!

نتائج تطبيق المنهج الرباني في الدعوة:

كان من ثمرات التركيز على العقيدة أولا أن تحققت غايات المناهج المقترحة السابقة، وهي:

أولا: تحرر الناس من السلطان الروماني والفارسي وغيره، وتقرر في قلوبهم سلطان الله.

ثانيا: تخلص المجتمع من الظلم الاجتماعي، وقام مكانه النظام الإسلامي الذي يزن بميزان الله، ويرفع راية العدالة الاجتماعية ويسميها راية " الإسلام ". لا يقرن إليها اسمًا آخر، ويكتب عليها: " لا اله إلا الله "!

ثالثا: تطهرت النفوس، وهذبت الاخلاق، خوفا من الله وطمعا في مرضاته، ولم يحتج إلى الحدود إلا في النادر.

لماذا تم التمكين للجيل الأول، وكيف اصبحوا أمناء على سلطان الله في الارض؟؟

لقد تم هذا كله لأن الذين أقاموا هذا الدين في صورة دولة ونظام وشرائع وأحكام، كانوا قد أقاموا هذا الدين من قبل في ضمائرهم وفي حياتهم، في صورة عقيدة وخلق وعبادة وسلوك. وكانوا قد وُعِدُوا على إقامة هذا الدين وعدًا واحدًا، وعدًا واحدًا لا يتعلق بشيء في هذه الدنيا، وعدًا واحدًا هو الجنة، هذا كل ما وعدوه على الجهاد المضني، والابتلاء الشاق، والمضي في الدعوة، ومواجهة الجاهلية بالأمر الذي يكرهه أصحاب السلطان في كل زمان وفي كل مكان، وهو: " لا إله إلا الله "!

فَلَمَّا أن ابتلاهم الله فصبروا، ولَمَّا أن فرغت نفوسهم من حظ نفوسهم، ولَمَّا أن علم الله منهم أنهم لا ينتظرون جزاء في هذه الأرض - كائنًا ما كان هذا الجزاء، ولو كان هو انتصار هذه الدعوة على أيديهم، وقيام هذا الدين في الأرض بجهدهم - ولَمَّا لم يعد في نفوسهم اعتزاز بجد ولا قوم، ولا اعتزاز بوطن ولا أرض، ولا اعتزاز بعشيرة ولا بيت .. لَمَّا أن علم الله منهم ذلك كله، علم أنهم قد أصبحوا - إذن - أمناء على هذه الأمانة الكبرى .. أمناء على العقيدة، التي يتفرد فيها الله - سبحانه - بالحاكمية في القلوب والضمائر، وفي السلوك والشعائر، وفي الأرواح والأموال، وأمناء على السلطان الذي يوضع في أيديهم ليقوموا به على شريعة الله ينفذونها، وعلى عدل الله يقيمونه، دون أن يكون لهم من ذلك السلطان شيء لأنفسهم، ولا لعشيرتهم، ولا لقومهم، ولا لجنسهم. إنما يكون السلطان الذي في أيديهم لله، ولدينه وشريعته، لأنهم يعلمون أنه من الله، هو الذي آتاهم إياه.

ولم يكن شيء من هذا المنهج المبارك ليتحقق على هذا المستوى الرفيع، إلا أن تبدأ الدعوة ذلك البدء. وإلا أن ترفع الدعوة هذه الراية وحدها .. راية لا إله إلا الله .. ولا ترفع معها سواها، وإلا أن تسلك الدعوة هذا الطريق الشاق في ظاهره، المبارك الميسر في حقيقته.

لماذا لم تبدأ الدعوة الإسلامية بتفصيلات النظام التشريعي في الإسلام؟؟

السبب الأول: العقيدة هي الأساس الذي تقوم عليه التشريعات:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت