الصفحة 8 من 54

إن طبيعة هذا الدين هي التي قضت بهذا .. فهو دين يقوم كله على قاعدة الألوهية الواحدة .. كل تنظيماته وكل تشريعاته تنبثق من هذا الأصل الكبير، فالتشريعات التي جاء بها الدين كالشجرة، وقاعدة الألوهية هي الجذور لهذه الشجرة، فلابد لهذا الشجرة الوارفة الظلال من جذور عميقة قوية كي تثبتها وتبقيها.

ومتى استقرت عقيدة: " لا إله إلا الله " في أعماقها الغائرة البعيدة، استقر معها في نفس الوقت النظام الذي تتمثل فيه " لا إله إلا الله "، وتعين أنه النظام الوحيد الذي ترتضيه النفوس التي استقرت فيها العقيدة، واستسلمت هذه النفوس ابتداء لهذا النظام، حتى قبل أن تعرض عليها تفصيلاته، وقبل أن تعرض عليها تشريعاته. فالاستسلام ابتداء هو مقتضى الإيمان، وهكذا أبطلت الخمر، وأبطل الربا، وأبطل الميسر، وأبطلت العادات الجاهلية كلها .. أبطلت بآيات من القرآن، أو كلمات من الرسول - صلى الله عليه وسلم - بينما الحكومات الأرضية تجهد في شيء من هذا كله بقوانينها وتشريعاتها، ونظمها وأوضاعها، وجندها وسلطاتها، ودعايتها وإعلامها، فلا تبلغ إلا أن تضبط الظاهر من المخالفات، بينما المجتمع يعج بالمنهيات والمنكرات.

السبب الثاني: الجدية والواقعية من طبيعة هذا الدين:

أن منهجية هذا الدين في التغيير واقعية وجادة، فهي لا تقوم على الفرضيات، فلا يمكن أن تسن التشريعات لمجتمع لم يقر بالحاكمية لله كما كان الحال في مكة، ولم يكن للمؤمنين الصادقين آنذاك أي سلطان على مجتمعهم ولا حتى على أنفسهم، فلمن تسن التشريعات التفصيلية إذن؟

ولما قامت للمسلمين دولة في المدينة جاءت التشريعات التفصيلية المتعلقة بمعاملات الناس من بيع وشراء، وكذلك نزلت الحدود الشرعية، فقد وجد المجتمع المقر بالحاكمية لله عز وجل، و صار لهم سلطان على دولتهم وعى كيانهم الجديد.

هل نبدأ دعوتنا بترغيب الناس بالتشريعات الإسلامية التفصيلية وبيان محاسنها؟

لقد يخيل لبعض المخلصين أن عرض أسس النظام الإسلامي - بل التشريعات الإسلامية كذلك - على الناس، مما ييسر لهم طريق الدعوة، ويحبب الناس في هذا الدين!

وهذا وَهْمٌ تنشئه العجلة! وَهْمٌ كالذي كان يمكن أن يقترحه المقترحون: أن تقوم دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم في أولها تحت راية قومية، أو راية اجتماعية، أو راية أخلاقية، تيسيرًا للطريق!

إن القلوب يجب أن تخلص أولًا لله، وتعلن عبوديتها له وحده، وتحرر من أي سلطان سواه، بقبول شرعه وحده، ورفض كل شرع آخر غيره .. من ناحية المبدأ .. قبل أن تخاطب بأي تفصيل عن ذلك الشرع يرغبها فيه!

إن نظام الله خير في ذاته، لأنه من شرع الله .. ولن يكون شرع العبيد يومًا كشرع الله .. ولكن هذه ليست قاعدة الدعوة. إن قاعدة الدعوة أن قبول شرع الله وحده أيًّا كان، ورفض كل شرع غيره أيًّا كان، هو ذاته الإسلام، وليس للإسلام مدلول سواه، فمن رغب في الإسلام ابتداء فقد فصل في القضية، ولم يعد بحاجة إلى ترغيبه بجمال النظام وأفضليته .. فهذه إحدى بديهيات الإيمان!

كيف عالج القرآن المكي قضية العقيدة؟؟

لقد امتاز القرآن المكي في معالجته لقضية للعقيدة بالميزات التالية:

1)لقد كان القرآن الكريم يخاطب فطرة " الإنسان " بما في وجوده هو وبما في الوجود حوله من دلائل وإيحاءات .. كان يستنقذ فطرته من الركام، ويخلص أجهزة الاستقبال الفطرية مما ران عليها وعطل وظائفها، ويفتح منافذ الفطرة، لتتلقى الموحيات المؤثرة وتستجيب لها.

2)لم تعالج قضية العقيدة الإسلامية بشكل نظري أو بشكل علوم كلامية، بل كانت على شكل تجمع بشري عضوي يحمل افراده تصور عقديا عن الإله والكون والحياة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت