إن الكف عن القتال في مكة لم يكن إلا مجرد مرحلة في خطة طويلة. كذلك كان الأمر أول العهد بالهجرة. والذي بعث الجماعة المسلمة في المدينة بعد الفترة الأولى للانطلاق لم يكن مجرد تأمين المدينة .. هذا هدف أولي لا بد منه، ولكنه ليس الهدف الأخير .. إنه هدف يضمن وسيلة الانطلاق، ويؤمن قاعدة الانطلاق .. الانطلاق لتحرير " الإنسان "، ولإزالة العقبات التي تمنع " الإنسان " ذاته من الانطلاق! [1] وقد يكون من أسباب عدم الإذن بالجهاد للمسلمين:
-تربية الصحابة على الصبر وعدم الانتقام لأنفسهم، وتربيتهم على الانصباط.
-لأن قتال قريش في تلك الفترة الزمنية ربما يدفع قرشي إلى مزيد من العناد والتشدد.
-لأن النخوة العربية آنذاك كانت تثأر للمظلوم الثابت على حقه.
-حتى لاتحدث مقتلة في كل بيت، مما يسيئ إلى الدعوة الإسلامية إعلاميا وهي مازالت في بدايتها.
-لقلة المسلمين في تلك المرحلة وكثرة وقوة عدوهم.
-لأن الرسول-صلى الله عليه وسلم - كان يعلم بتعليم الله إياه أن كثير من المعاندين لدعوته اليوم سيكونون من جند الإسلام المخلصين مستقبلا.
وهي أسباب عارضة ليست أصيلة ولا دائمة، ولقد زالت هذه الأسباب بعد الهجرة إلى المدينة
وتوالت بعدها غزوات الرسول صلى الله عليه وسلم.
أيهما أهم ميزان الإسلام: الأرض (الوطن) أم منهج الذي يطبق على الأرض؟
الذين يبحثون عن مبررات للجهاد الإسلامي في حماية " الوطن الإسلامي " يغضون من شأن " المنهج " ويعتبرونه أقل من " الموطن " وهذه ليست نظرة الإسلام إلى هذه الاعتبارات. إنها نظرة مستحدثة غريبة على الحس الإسلامي، فالعقيدة والمنهج الذي تتمثل فيه والمجتمع الذي يسود فيه هذا المنهج هي الاعتبارات الوحيدة في الحس الإسلامي. أما الأرض - بذاتها - فلا اعتبار لها ولا وزن! وكل قيمة للأرض في التصور الإسلامي إنما هي مستمدة من سيادة منهج الله وسلطانه فيها، وبهذا تكون محضن العقيدة وحقل المنهج و " دار الإسلام " ونقطة الانطلاق لتحرير " الإنسان ".
وحقيقة: إن حماية " دار الإسلام " حماية للعقيدة والمنهج والمجتمع الذي يسود فيه المنهج. ولكنها ليست الهدف النهائي، وليست حمايتها هي الغاية الأخيرة لحركة الجهاد الإسلامي، إنما حمايتها هي الوسيلة لقيام مملكة الله فيها، ثم لاتخاذها قاعدة انطلاق إلى الأرض كلها وإلى النوع الإنساني بجملته. فالنوع الإنساني هو موضوع هذا الدين والأرض هي مجاله الكبير!
المجتمع الإسلامي يدافع عن نفسه وينطلق إلى العالم:
لم يكن بد لهذا الدين أن يدافع المهاجمين له، لأن مجرد وجوده في صورة إعلان عام لربوبية الله للعالمين، وتحرير الإنسان من العبودية لغير الله، وتمثل هذا الوجود في تجمع تنظيمي حركي تحت قيادة جديدة غير قيادات الجاهلية، إن مجرد وجود هذا الدين في هذه الصورة لا بد أن يدفع المجتمعات الجاهلية من حوله - القائمة على قاعدة العبودية للعباد - أن تحاول سحقه، دفاعًا عن وجودها ذاته، ولا بد أن يتحرك المجتمع الجديد للدفاع عن نفسه ..
هذه ملابسة لا بد منها، تولد مع ميلاد الإسلام ذاته، وهذه معركة مفروضة على الإسلام فرضًا، ولا خيار له في خوضها، وهذا صراع طبيعي بين وجودين لا يمكن التعايش بينهما طويلًا .. .
(1) الملاحظ هنا أن سيد قطب رحمه الله لم يكن يعترض المرحلية في العمل الجهادي، ولم يكن أيضا يعترض على وجود أهداف مرحلية قبل الجهاد وأثنائه، لكن اعتراضه الأساس كان على إلغاء وتبديل الهدف الأساسي للجهاد في الإسلام ألا وهو إخضاع العالم لنظام أساسه العبودية لله وحده إما إسلاما لله أو استسلاما للمسلمين.